نشر في مصر العربية الأحد 25 أكتوبر 2015
..
إذا تأكد لدينا أن مشروعنا الإسلامي الكبير غير قابل للإغفال فضلًا عن الاستئصال، وإذا نبهنا في النظر إليه على إشكالية الاختزال؛ سواء اختزاله في أحد مجالات فاعليته (السياسة، الدعوة، المقاومة، الخدمة الاجتماعية والعمل الأهلي، الإغاثة، الفكر والعلم والتعليم، التربية والتنشئة، بناء وتجديد المجتمع المتماسك..)، أو اختزاله في بعض الصور والمقولات، فإن ذلك لا يعني بحال أنه مشروع معصوم أو فوق النقد، سواء النقد الذاتي من داخله أو النقد من مساحات وزوايا نختلف معه جذريًّا.
ومن ثم نؤكد أن النقد الذاتي فضيلة إسلامية يجب أن يتمتع بها هذا المشروع بروافده وفصائله ومساراته وسياساته وسلوكياته ونظرياته وعالم أفكاره وأشخاصه وتفاعلاته. كما أن النقد فريضة نابعة من خاصية هذه الأمة (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)، وليس أولى بالأمر بالمعروف إذا ترك ولا بالنهي عن المنكر إذا ظهر (الاحتساب) من النفس / الذات / الأنا / النحن.
نحن أولى بكلمة الحق والمراجعة، ولا خير فينا إن لم نقلها ولا خير فينا إن لم نسمعها.. وإسلامنا ما هو إلا النصيحة (الدين النصيحة)، ومرادنا ليس إلا الإصلاح.. هكذا يجب أن نكون (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت)، وأولى شيء بالإصلاح هو النفس الفردية والجمعية، ففاقد الشيء لا يعطيه، ولن يقوم إصلاح إلا على يد صالحين مصلحين: (إن الله لا يصلح عمل المفسدين).
ثم إنّ النقد الذاتي ضرورة حياتية إنسانية عمرانية أشبه بعمليات حيوية في الجسم تتعلق بالمسح الوقائي، ثم رصد السموم والأخطار، ثم مواجهتها وإزالتها والاحتفاظ بالمناعة منها.. إن افتقاد النقد الذاتي يصيب الجسد بمرض الإيدز الاجتماعي، وثمة أصوات كثيرة تطالب الحركة الإسلامية بهذا اللون من النقد، ويلحون في ذلك ما بين ناصح أمين ومغرض غير أمين.
وهذا لا يمنعنا من التنبيه لبعض الأمور في هذا المقام: المشروع الإسلامي مليء بنماذج النقد الذاتي والبيني (أي بين التكوينات الإسلامية المتنوعة) المتعاقبة زمنيًّا، المتنوعة مجاليًّا ومنهجيًّا، وكثير منها شهدت حوارات وسجالات ساخنة مشهودة ومشهورة، وليست الحالة الراهنة التي يجري فيها عمليات نقد متبادل ومتجادل ومتسع بدعًا من أمر الحركة أو المشروع. نعم، كثير من هذه العمليات غير علمي أو موضوعي أو ممنهج، لكن هذا لا ينفي أن ثمة أعمالًا منهجية وموضوعية ممتازة (راجع: النقد الذاتي للحركة الإسلامية: رؤية مستقبلية: الجزء الأول إعداد د. عبد الله النفيسي ود. حامد قويسي، والجزء الثاني بإشرافهما، وأقلام أكابر: الحكيم البشري، ود. توفيق الشاوي ود. فتحي عثمان ود. فريد عبد الخالق، ود. حسان حتحوت ود. محمود أبو السعود، مطبوع بالقاهرة).
إن المشروع الإسلامي لا يقبل دعوات النقد الاتهامية أو التشكيكية أو التي تحاول أن تجعل من مثل هذه الدعوات سوقًا لترويج فرية “الفشل” و”ارتكاب الأخطاء” و”التسبب في تراجع الثورات” أو “الإساءة إلى الآخرين”.. إلخ، خاصة إذا جاءت ممن باعوا كل مبدأ وخانوا كل عهد وارتكبوا الموبقات وتسببوا في خراب الثورة والديمقراطية وتحالفوا مع كل فاسد ومستبد ومعتدٍ وقاتل، وبرروا القتل والقمع والاستئصال، وقلبوا الحقائق وروّجوا الأكاذيب وطبلوا وزمروا للانقلاب والحكم العسكري والتدخل والعدوان الأجنبي، وهاجموا مفاهيم الأمة والرابطة الإسلامية والانتماء الإسلامي لحساب تصهين علني قبيح.. عفوًا، لن نقبل الحق من أعداء الحق؛ لأن في ذلك غفلة واستغفالًا، والحق والنصح له أبواب أخرى لا تحصى.
المشروع الإسلامي مستمرٌّ وممتدٌّ وعصيٌّ على الهدم لأنه فعلًا يمارس النقد الذاتي، وإن كان بدرجات ونوعيات تحتاج إلى مزيد عناية وفاعلية وجدية.. لكن ماذا عن المشروعات المنكوسة والمعكوسة، تلك التي فرقت العرب وقتلت الشعوب باسم القومية والتحدي والصمود والممانعة، وتلك التي برَّرت الاستئصال والقتل والتنكيل باسم الليبرالية وخانت إرادة الشعوب وهي لا تستحي أن تتحدث عن الديمقراطية (وتنكر الإسلاميين لها!!)، وتلك التي رفعت شعارات العدالة ومقاومة الظلم والتهميش والاستبعاد والإفقار وما إليه ثم أعماها حقدها الأيديولوجي، فركعت للرأسمالية المتوحشة والمتجحشة، وهاجمت الخيارات الشعبية بلا أي معنى ولا منطق لا لشيء إلا لأنهم يحصدون كل مكسب، فضلًا عن أدعياء الوطنية الذين ضيعوا الوطن لحساب مطامعهم الأنانية وأكاذيبهم المكشوفة.
المشروع الإسلامي يحتاج إلى نقد على مستواه من السعة والعمق، وأن يكون الناقد واعيًا بتحدياته الذاتية والخارجية وبتنوع استجابات الإسلاميين؛ ومن ثم فلا يعمم الأحكام ويغفل أن بعض المشروع يوازن بعضه. مثال على ذلك، الذين أثاروا الضجة حول العنف أين موقفهم من السلميين؟ ومن الجدل القوي والعلني بين تيار السلمية وتيار القوة؟ وأين موقفهم من المقاومة المشروعة؟ ولماذا يميلون للتعميم الأعمى واضح العمدية؟ ثم الموقف من الديمقراطية: لماذا ينزل النقد غير البناء على السلفيين دون نظر في تطورات الموقف التأصيلي والشرعي لدى تيار المفكرين الإسلاميين والإخوان ومن شابههم.. وكذلك الموقف من الثورة: نعم، الإخوان ومن شابههم إصلاحيون لا ثوريون (راجع كتاب النقد الذاتي المشار إليه ج1، ص ص 218-220)، وقد كان لذلك دور في تعثرهم وتعثر الثورة، لكن ماذا عن غيرهم من أدعياء الثورية الذين لا يريدون فيها شعبًا ولا ديمقراطية أو شرطهم الوحيد: ثورة أو ديمقراطية بلا إسلاميين؟
ما أريد قوله إن النقد الذاتي للمشروع الإسلامي لن يتوقف سواء حال نجاحه وتقدمه أو حال تعثره في بعض المسارات، لكن يجب أن يكون نقدًا بنّاءً ومضيفًا وموضوعيًا وجادًا، سواء من قبل أهله ورواده (فإن الرائد لا يكذب أهله)، أو من قبل المنصفين من غيرهم ومن خارجه مهما كانت شدتهم أو حدتهم، أما النقض والنقمة على المشروع والشتم والرمي بالأباطيل فلا نلتفت إليه ويجب ألا يؤثر في سير القافلة. وليس هناك نقد للنقد وإن لم نحجر على أحد وحتى لا يتحول إلى دوامات لا مخرج منها، والأفضل أن يشفع النقد بأطروحات وبدائل تسد الثغرة وتكمل النقص وتعالج الأمراض حتى تكون نصيحة متكاملة وتصحيحات متواصلة.