خريطة العالم

نشر في موقع مصر العربية؛ الأحد 15 نوفمبر 2015.

..

إن المعادلة التي تهم كثيرًا من هذه الدول هي الاستمساك الضار بمعنى “الدولة القومية” لا العمل النافع الذي يصب في “الدولة القوية”، وما يعنيه ذلك من قوة هذه الدول وتعظيمها في سياق تكاملها ضمن معادلة الدولة القوية، تظل هي الأقدر على حل مشكلات هذه الدول لا التعلق الأبدي بالدولة القومية الواهنة والمستباحة. بل إنه من المهم التذكير بأن مفهوم الدول القومية يصب، في النهاية، في تعظيم سيادة هذه الدول جوهريًا لا شكليًا، وأن مفهوم الدولة القومية كما تتعاطاه تلك الدول في مواجهة بعضها، والتهاون بصددها حيال علاقاتها مع العالم الخارجي – خاصة الغربي – لا يصب إلا في ضعف ووهن هذه الدول فرادى، وتهميش علاقاتها الجماعية، وتعاظم سياساتها وعلاقاتها التابعة.

وأيًا كان مفهوم الدولة القومية والأزمة التي يشير إليها في النشأة والتأثير في دول العالم الإسلامي ودول العالم الثالث، إلا أنه كمفهوم وواقع قد فرض نفسه على خريطة التعامل الدولي، سواء كمفهوم جامع في الخبرة الأوروبية، أم كمفهوم مفكك في عالم المسلمين. واعتباره مرحلة في الخبرة الأوروبية ضمن كيانات أكثر اتساعًا وامتدادًا وتكاملًا وعمل مؤسسي مكين وإجرائي متين، وفي المقابل تعامل معه عالم المسلمين بانتقائية شديدة تصب في المانعية من تفعيل التكامل، والتابعية قفزًا على علاقات التكامل الحقيقية، عبر علاقات غير متكافئة تصب في قوة الآخر أكثر مما تصب في عافية الذات وكيانها، وكلاهما يؤدي إلى إضعاف الفاعلية بل وتلاشيها في الوعي والسعي.

هذا المفهوم الذي يتعلق بالدولة القومية أحدث تأثيرات مهمة على مفهوم الأمة الإسلامية، وعلى المفهوم التقليدي الذي أُسمي “بدار الإسلام”؛ إنه أفرز تعددًا من نوع متميز، ليس هو بتعدد الانفصال (بين دولة عباسية عاصمتها بغداد، ودولة أموية في الأندلس)، وليس هو بتعدد التغلب والاستيلاء الذي أفرز كيانات جزئية ارتبطت بعلاقة اسمية ورمزية بالخلافة العباسية، وليس هو بالتعدد الذي حركه اقتسام وتنازع مناطق النفوذ في الحقبة الاستعمارية وموازين القوى في ذلك الوقت.

ولكنه كان التعدد الذي أشار إلى النشأة الخاصة للدول القومية في عالم المسلمين والعالم الثالث، والذي حكمته موازين حقبة ما بعد الاستعمار الاستيطاني والدخول في مرحلة جديدة من علاقات الدول القومية التابعة. هذا التعدد الذي صاحب الدولة القومية في عالم المسلمين والعالم الثالث، صاحبه تعدد في الرؤى ونماذج التنمية، كما غُلف بسياقات أيديولوجية، خاصة العالمية منها (الرأسمالية والاشتراكية)، ومكّن لها حالة سائدة حكمت السياسات والعلاقات سُمّيت بالحرب الباردة، وأفرز هذا التعدد عددًا من القضايا التي أصبحت موضع مساجلات فكرية أضافت إلى التجزؤ الموجود تجزيئًا من الناحية الفكرية، شكّل محاضن لتلك التجزئة واستمرارها.

فبين التجزئة والوحدة أو المستلزمات لها من تكامل وتعاون وتضامن، وبين التبعية والاستقلال ومتطلباته من قوة وفاعلية، وبين التخلف والنهضة ومفاصلها من تنمية وعمران وإنماء؛ هذا الحال من التعدد واكبه عالم أحداث ونظم، غالبًا ما سادت فيه علاقات وسياسات (التجزئة – التبعية – التخلف) أكثر مما أثرت فيها سياسات وعلاقات (التكامل والوحدة والاستقلال والنهضة):

  • تفاقم مشاكل الأقليات في عالم المسلمين.
  • الاتجاه نحو الانفصال والتفكيك.
  • ضعف التوجهات التكاملية والوحدوية والتعاونية: رؤية وسياسات وعلاقات ومؤسسات.
  • الصراعات البينية، وصراعات الحدود، وصراعات الأعراق.
  • تدويل المشاكل والقضايا التي تخص عالم المسلمين.
  • ضعف التنسيق في السياسات والعلاقات، خاصة القضايا البينية والمشتركة والمتبادلة (القدس).
  • بروز مشاكل الأقليات الإسلامية والكيانات المسلمة داخل الحضارة الغربية.
  • ضعف الصياغات النظمية والمؤسسية التي تناسب التحديات التي تواجه عالم المسلمين.

هذه الخريطة أشارت إلى أن مفهوم الدولة القومية – إدراكًا وعملًا – تحول إلى معنى علمي في الإدراكات والسياسات والعلاقات والمؤسسات والغايات، مثّل مجموعة من التأثيرات يحسن رصدها:

أولًا: أن المفهوم ولد قسمة جديدة في المنظومة الدولية ومكان المسلمين فيها، إذ ولّد خريطة تعدد اختلفت عن أنماط التعدد المختلفة في الخبرة التاريخية. وهو من المفاهيم التي أثرت على كثير من المفاهيم التقليدية الفقهية من مثل “دار الإسلام ودار الحرب”، وهو أمر يعني – ضمن ما يعني – اختلاف منظومة المعايير الحاكمة، وبروز مفهوم المصالح القومية، وصعوبة توصيف الواقع من خلال المفاهيم الفقهية. ومن هنا صادف عالم المسلمين أزمات غاية في الأهمية شكلت إشارة إلى متغيرات في الواقع لا بد من أخذها في الحسبان:

  • حرب الخليج الأولى (الحرب العراقية – الإيرانية).
  • حرب الخليج الثانية (غزو العراق للكويت).
  • حرب الخليج الثالثة.
  • حروب صارت تدور على أرض بلاد العرب؛ على أرضنا بأيدينا وبأيدي غيرنا.

وصاحب هذه الأزمات حال من الفوضى الفكرية والتوجهات التي تسربلت بغطاء ديني، حتى استحقت اسم “الفتنة الفكرية والدينية”، اختلطت فيها الرؤى واستخدمت أسلحة الفتاوى، وشُنت بصددها أقصى حروب الكلمات. وفي كل الأحوال اتضح لكثير من هؤلاء أنهم يغفلون عناصر ومتغيرات جديدة أهمها “الدولة القومية” كما هي كائنة في عالم المسلمين والعالم الثالث، وعناصر القسمة الجديدة التي تفرضها، وسياقات الدول العلمانية… إلخ.

ثانيًا: إن المفهوم كما تم إدراكه في عالم المسلمين شكّل مسارًا تهميشيًا لمفهوم “الوحدة”، بل أكثر من ذلك فرض دوافع على عمليات التكامل والتعاون والمؤسسات الجامعة، وكانت معظم تأثيراته سلبية على مفهوم الأمة عامة ومفهوم الأمة الإسلامية على وجه الخصوص كالآتي:

  1. أن المفهوم في إطار معاني الدولة القومية كما تم إدراكها برز كمفهوم أحق بأن يوصف بـ “الدولة القومية التابعة” المحافظة على واقع التجزئة من جانب، والمقلّدة لنماذج تنمية من خارجها. وفي إطار يمثل قدرات تابعة لا نابعة، ومن هنا كان من الضرورة البحث في التأثيرات العميقة والواقعية التي تركها مفهوم الدولة القومية بحيث لا يمكن القفز على واقعها بأي حال من الأحوال في الإدراك وفي الاعتبار، والمفهوم وتأثيراته السلبية التي تكرست في إدراكات الوعي ومجالات الممارسة. كان من المهم فهم الدولة القومية ضمن مسارين:
    • مسار الجماعة الوطنية كمفهوم جامع لقوى وفاعليات الداخل، وبناء كيان المصالح على قاعدة من اعتبارات الجماعة الوطنية، وما يصب في عافيتها وقدرتها وفاعليتها.
    • مسار الدولة القومية كمفهوم يؤكد على تعظيم قدرات هذه الدول واتخاذ السياسات والعلاقات والمسارات والمؤسسات المؤكدة لممارسة بينية أو داخلية أو إقليمية أو دولية، تقوم على استثمار الإمكانات وتحويلها إلى قدرات وفاعليات على كافة المستويات.
  2. أن المفهوم أبرز مع عوامل ومتغيرات أخرى تنظيمات بديلة أو موازية، لعبت دورها في طرد تكوينات أصيلة باعتبارات التوحد القومي أو الجامعة الإسلامية، ومن هنا برزت وحدات تحليل مثل الشرق أوسطية، مثل المتوسطية، أو الشراكة العربية الأوروبية… إلخ. وهو أمر يتطلب منا ضرورة فرز هذه التكوينات والوحدات الصاعدة وتأثيراتها على وحدات أصيلة ليس فقط في التحليل، ولكن في كونها مجالًا حيويًا للحركة.
  3. أن المفهوم أقام مؤسسات جامعة من الناحية الشكلية، ولكنها نُقضت في العمل من جراء إدراكات لهذا المفهوم من مثل السيادة وغيرها. إن البحث في فاعلية مثل هذه المنظمات الجامعة سواء كانت منظمات سياسية أو كلية أو نوعية، إنما يشير إلى ما يمكن أن يتركه هذا المفهوم وإدراكاته على تلك التكوينات وسياساتها وغايتها، وفي النهاية فاعلياتها.

ومن هنا كان على هذه الدول ألا تقف كثيرًا عند النشأة القسرية والمشوهة للدولة القومية، بل عليها أن تتعرف على التأثيرات السلبية التي يمكن أن تتركها في الوعي والسعي. وألا تقف عند عناصر سيادة قومية مُهملةً عناصر دولة قوية ذات سيادة حقيقية لا متوهمة، تصدع بها حينما يجب ألا تصدع بها، وتفرط فيها حينما يجب التمسك بها. والبحث في فاعليات التأسيس من الأمور المهمة التي يجب ألا تتصور إدراكات عالم المسلمين أن مجرد إنشاء هذه المؤسسات هو غاية التمني ونهاية المطاف، بل هي ضمن عملية موصولة تتحرك من التأسيس إلى الفاعلية. ومن هنا كان من الضروري إقصاء كل الموانع واستثمار كل الإمكانات التي قد تقلل من الفاعلية أو تقضي عليها، سواء كان ذلك في الوعي والإدراك أم السعي والممارسة.

  1. أن هذا المفهوم والذي تخطته الخبرة الأوروبية حينما استنفد أغراضه ضمن مسيرة تطور البناء الحضاري، ظل مكينًا لدى هذه الدول في مواجهة بعضها، بينما توارى في علاقاتها الغيرية خاصة عبر الغرب ودوله. وربما هذا يمكن أن يكون دالًا في عملية التفسير لما أُسمي بـ “القرية العالمية” من جراء الثورة الاتصالية، وهو أمر أحدث صناعة شبكة علاقات صارت وثيقة؛ قفزًا على اعتبارات الجغرافيا والتاريخ والعقيدة والمصير، وأخرى خُذلت أو هُمشت رغم أن تلك الثوابت السابقة تؤكد عليها وتؤكد أحداث التاريخ على إمكاناتها في تعظيم الإمكانية والفاعلية.

ومن ثم ظل مفهوم القرية العالمية يعني تعظيم الاتصال بالغرب أكثر مما يعني تعظيم الاتصال بين العالم الإسلامي أو العالم العربي مثلًا. بل على العكس من ذلك فقد أبقى على كل عوامل الانفصال والتجزؤ والتبعية وربما التخلف الذي تكسوه قشرة الحضارة لا عمقها وجوهرها. وظلت الأمور والسياسات والعلاقات تسير ضمن مسار مزيد من توهين العلاقات الداخلية والبينية، ومزيد من تكريس العلاقات الغيرية والخارجية. إنها المفارقة التي يؤكدها إدراك أبدية الدولة القومية في عالم المسلمين، وإدراك الطابع المرحلي لهذا المفهوم في إطار علاقات وتكوينات عبر قومية.

بل إن الأمر قد لا يتعلق بمزيد من العلاقات عبر القومية وكأنها تجري لذاتها لا آثارها وتأثيراتها، الأمر يرتبط بالأساس بعلاقات فاعلة عبر قومية تحقق أصول الفاعلية وضمان استمرارها واستثمارها في سياق المجال الحيوي لا خارجه أو قفزًا على مقتضياته ومتطلباته وروابطه الحقيقية والجوهرية.

ثالثًا: إن مفهوم الدولة القومية وتوابعه (السيادة – الحدود… إلخ) لا بد أن يؤثر عليه مفهوم وعملية العولمة والظواهر المصاحبة لها. إذ أبرزت العولمة نوعية من التأثيرات جديدة، كما أضفت على تأثيرات سبقت كثافة وسرعة وعمقًا.

مفهوم الدولة القومية ونشأتها المشوهة والواهنة وسيطرتها الاستبدادية وحالتها الفاسدة وبلوغها عتبات الدول الفاشلة، تجعلنا نبحث عن معادلة الدولة القوية الفاعلة والراشدة والعادلة. هذا البحث عن هذا النموذج لا بد أن يكون ضمن الاهتمامات للمشروع الإسلامي الكبير.. فهل يمكن أن يسهم الاجتهاد من قبل من يؤمنون بهذا المشروع ضمن هذه الساحات التي لا تقبل الانتظار أو الإرجاء.