نشر في موقع مصر العربية؛ الأحد 27 ديسمبر 2015
..
التحديات الخارجية ليست طارئة، ولكنها تمثل بدرجة أو بأخرى الصورة الراهنة لأصل تتجدد أشكاله وأساليبه وأدواته من مرحلة إلى أخرى من مراحل تطور العلاقات الدولية الإسلامية.
إذن ما هو الثابت وما هو المتغير عبر القرون الممتدة، سواء في قرون القوة والوحدة أو قرون الضعف والتراجع والتجزئة؟ إن الثابت باليقين هو مناط التحدي وهو عملة ذات وجهين:
- أولهما: غاية الآخر في استبعاد وإقصاء وإذابة الأمة ودثر نموذجها الحضاري، وليس هياكلها السياسية فقط.
- ثانيهما: قدرة الأمة ودأبها على الاستجابة الدائمة للتحديات بأنماط مختلفة من الإيجابيات.
في ضوء ذلك يمكن الإشارة إلى حزمة التحديات الخارجية المعاصرة والمتجددة (تحدي العولمة، تحدي المكانة ووضع الإسلام والمسلمين في الفكر الاستراتيجي الغربي في إطار أطروحتي صدام الحضارات والتهديد الإسلامي للغرب، مضافًا إلى ذلك تحدي صناعة صورة المسلمين في الغرب وتشويهها، والسياسات الغربية كمصدر للتحدي، وأضافت أحداث الحادي عشر من سبتمبر تحديًا مضافًا عقّد هذه التحديات وزادها كثافة بما أحدثته من انعكاسات على عالم المسلمين).
فالمرحلة الراهنة للعالم الإسلامي هي مرحلة تاريخية سلبية ليست من صالحه، بل الأكثر من ذلك أنها لحظة لا يمكن لها أن تعزز أي توقع مستقبلي إيجابي بأن هذا العالم سينهض من جديد مثل نهوضه خلال العصور الخاصة بازدهار الحضارة الإسلامية، لكن دراسة هذا العالم وفق اللحظة الراهنة بدون امتداد زمني ماضٍ أو مستقبلي تبقى دراسة ثبوتية لا يمكن أن تقدم شيئًا سوى صورة راهنة عما هو راهن.
من هذه الأسس المنهجية ننطلق لتشييد فرضياتنا بدءًا من التعامل مع العالم الإسلامي ككيان جغرافي سياسي حضاري عام، له خصوصياته كقوة مستقلة تعرضت لمراحل من القوة والضعف ضمن متغيرات تاريخية دولية لا تكف عن التبدل داخل واقع دولي، هو الآخر عرضة للهزات المفاجئة أو للتغيرات طويلة الأمد.
دراسة العالم الإسلامي بما هو عليه اليوم كمفهوم يمتلك مواصفات بنيوية محددة، ثم وضع هذا العالم ضمن الاستراتيجيات العالمية التي تحددها القوى الكبرى تجاهه، ومن هذا الواقع العيني يمكن استقراء الإمكانيات الحالية للبلدان الإسلامية، وضمن الأزمات التي تعايشها، ومدى قدرتها على تأسيس كيان إسلامي جيوبوليتيكي مستقبلي، يمكن له أن يكون قوة عالمية جديدة، وذلك من خلال الاستقصاء الذاتي الحالي لهذه البلدان من جهة، وضمن تموقعها داخل بناء من التوازنات الدولية الراهنة والاستراتيجيات العالمية المعاصرة من جهة أخرى. لا زلت أتذكر هذا الكتاب المهم لأستاذنا المرحوم حامد ربيع “الإسلام والقوى الدولية”.
إن المواجهة الجديدة المباشرة بين الاستراتيجيات الغربية المعاصرة قد أوضحت أن الأهداف الغربية والاستعمارية قد اختلفت إذ اكتسبت بعدًا جديدًا، فبعد أن كان هدف الاستراتيجية الاستعمارية منحصرًا بالاقتصاد من خلال سيطرتها على العالم الإسلامي، امتد نحو بُعد جديد هو السيطرة الحضارية والصراع الحضاري.
وهنا تصبح مقولات مثل “صدام الحضارات” التي أتى بها صامويل هنتنجتون هي مقولات لها أهميتها على الرغم من الانتقادات التي وجهت إلى مقولته بأن العصر القادم سيكون عصر صراع حضارات، فإن هذه المقولة صحيحة نسبيًا في واقعها، وقد بدأت بناها الصراعية تبدو عينيًا وميدانيًا من الآن لا سيما عبر الصراع المباشر الذي توجهه القوى العظمى المعاصرة ضد العالم الإسلامي، ثم بدأت العودة الجماعية إلى الهوية الإسلامية لدى شعوب العالم الإسلامي مثل رد الفعل العكسي والمنطقة التي تواجه الاستراتيجية الغربية المعاصرة.
تجاه هذا الواقع الجديد يغدو التساؤل: هل يمكن أن تتكون من العالم الإسلامي قوة جيوستراتيجية مستقبلية تقف في المستوى نفسه مع القوى العظمى المعاصرة على الرغم من لحظة الانكسار والتأزم التاريخي الذي يعيشه العالم الإسلامي اليوم؟ والجواب هو نعم، إلا أن ذلك سوف يتطلب مدة زمنية، لكن هذه المدة الزمنية سوف لن تكون طويلة لأن حركة التاريخ المعاصر قد اكتسبت تسريعًا هائلًا بفضل ثورة الاتصالات في تطور الأحداث وتبادل المواقع الحضارية بشكل قد يبدو مفاجئًا في لحظات ما من لحظات التاريخ المعاصر أو من لحظات الخارطة المستقبلية المقبلة.
إن هذه النهضة الآنية والآتية هي نهضة تقودها المجتمعات الإسلامية التي باتت مفتوحة على الحداثة وعلى إدراك الهدف البعيد المدى للاستراتيجيات الغربية المعاصرة التي أمست مباشرة وتُحضِّر لضربة جديدة لهذا العالم أكثر عنفًا من السابق ووفق تكتيك مفتوح.
ومن هنا سيكون على العالم الإسلامي وبشكل دينامي طبيعي وتلقائي ووفق الدينامية التاريخية نفسها والتكتيك المفتوح نفسه أن يكتشف له استراتيجية عامة لمواجهة تتجاوز الاستراتيجيات السابقة التي أخفقت في تحقيق تأمين حضاري للشعوب الإسلامية، فإن فشل السياقات السياسية والحضارية الماضية سيفتح تلقائيًا أمام العالم الإسلامي ضرورة تحويل كيانه الجغرافي السياسي الحضاري إلى كيان جيوبوليتيكي حضاري، ثم إلى كيان جيوستراتيجي حضاري، ثم إلى كيان دولي يتمثل في قوة عظمى لها كينونتها المؤثرة على الساحة العالمية.
فمن تصور القوة الاحتمالية يأتي رد فعل بعض تكوينات الحضارة الغربية والتي روجت لفكرة العدو الأخضر أو الخطر الإسلامي، ضمن عملية ممتدة من صناعة الصورة، تلجأ إلى بعض التصورات التراثية لتخدم هذه العملية في تشويه الصورة، وإذا كان هذا ضمن محاولة تحديد الخطر لحضارة غالبة تعبر عن ذلك تارة بنهاية التاريخ وتارة أخرى بصدام الحضارات، فإن مواجهة هذا الأمر يتطلب وبحق وفي ظل وضعية العالم الإسلامي، يتطلب تجديد النظر، في سياق يُمكّن من حفز تلك الطاقة الحضارية في عالم المسلمين وفي سياق لا يصادر الذاكرة التراثية والحضارية. عالم المسلمين عليه أن يختار بين عالمين، عالم الوهن الذي تتداعى فيه الأمم عليه، وبين عالم العزة والمنعة والمكانة والإرادة ليجد له مكانًا وتأثيرًا في عالم القرار الدولي والتأثير فيه.