في مقدمة محمود شاكر صاحب البيان والذي فاض بمعان جديدة حول إعجاز القرآن؛ مقدمة إضافية أخرى في عالم البيان القرآني؛ والظاهرة القرآنية لمالك بن نبي؛ إن هذا الورود المبخوت على مأدبة أمير البيان المحقق المدقق الأستاذ محمود محمد شاكر (أبي فهر)، وفي مقدمته التاريخية الفذة لكتاب “الظاهرة القرآنية” لمالك بن نبي، فيما يتعلق بـ (السيادة اللغوية والمعرفية)؛ حيث تلاحم فيها بيان أبي فهر المستمد من أسرار لسان العرب مع سنن بن نبي عبر عالم الأفكار لبتر دابر تسلل الأوثان المعرفية. إن “أصل الأصل الوصل”؛ والقراءة التشغيلية لمقدمة شاكر تكشف عن كيفية صيانة عالم التوحيد وفاعليته ميدانيا من خلال محاور بيانية سننية صارمة.
إن جوهر المحاور الناظمة لمقدمة محمود شاكر في الظاهرة القرآنية تتحرك على مستويات ثلاث:
ـ محور “البيان والتذوق اللغوي” كحصن مصدري (الوحي هاديا)؛ لقد أصل محمود شاكر في مقدمته أن إعجاز القرآن ليس بحثا كلاميا جافا، بل هو طاقة بيانية مطلقة تخاطب الفطرة والنفس البشرية. هذا البيان هو النبع العلوي المستقل الذي يمنح الكوادر حصانة ضد “الفكرة الوثن”؛ فالقرآن ليس نصا ساكنا للجدل الراكد، بل هو “نبأ عظيم مستمر” يحمل براهين صدقه التلقائية في مجرى اللسان والوعي.
ـ محور “مواجهة الاستشراق والتبعية المعرفية” (الوعي راشدا)؛ فكك شاكر بشراسة ميدانية كيف تتسلل “الأفكار الخبيثة” النابتة في حقل الوثنية المادية الغربية عبر كتابات المستشرقين (مثل غيب وماسينيون). هذا التسلل يعمل كـ “القوارض الحضارية” التي تنال من عالم التوحيد وفاعليته عبر فصل الفكرة عن العمل. المقدمة هنا فرضت جدارا صارما لـ “السيادة اللغوية” يقر ببتر مصطلحات الآخر الوافد والامتثال لـ “دستور الأخلاق” حركيا.
إن مقدمة الأستاذ محمود محمد شاكر (أبو فهر) لـ “الظاهرة القرآنية” (من ص 17 إلى ص 50) ليست مجرد تقريظ أدبي، بل هي وثيقة تأسيسية في علم إعجاز القرآن والبلاغة العربية. لقد صاغها بعمق وجودي ونقدي فريد، نابع من المحنة المعرفية التي عاشها جيله في مواجهة الغزو الثقافي الغربي ومكايد الاستشراق؛
ـ محور “إقرار المنهج السنني لمالك بن نبي” (السعي مسددا)؛ رغم نشأة شاكر اللغوية التراثية، إلا أنه رد الاعتبار لطريقة مالك بن نبي في تحليل “الظاهرة”؛ معتبرا أن سعي بن نبي في ربط الفكرة الدينية بعمليات العمران والفاعلية (إنسان، تراب، وقت) هو تقدمة راشدة لـ “الصحبة الاستخلافية والعمرانية”. إنه الوصل التاريخي الذي يحمي “السند الحضاري المتصل” للأمة القطب ويحول طاقة التوحيد إلى عمران ملموس في مجرى حركة الواقع المعاش.
إن مقدمة الأستاذ محمود محمد شاكر (أبو فهر) لـ “الظاهرة القرآنية” (من ص 17 إلى ص 50) ليست مجرد تقريظ أدبي، بل هي وثيقة تأسيسية في علم إعجاز القرآن والبلاغة العربية. لقد صاغها بعمق وجودي ونقدي فريد، نابع من المحنة المعرفية التي عاشها جيله في مواجهة الغزو الثقافي الغربي ومكايد الاستشراق؛ إن عرضا وافيا وعميقا لهذه المقدمة، تعكس عمق كاتبها وأدواته المنهجية وذلك في أربعة مداخل أساسية تتمثل فيما يأتي:
أولا ـ سياق المحنة وعقدة “العقل الحديث: يستهل أبو فهر مقدمته ببيان خطر الهزيمة الثقافية التي عاشها العالم الإسلامي. ويرى أن الأمة بعد أن ألقت السلاح في ميدان الحرب العسكرية، بقيت تخوض معركة أشد هولا في ميدان الثقافة والعقل.
ـ سلاح الاستشراق: يصف الاستشراق بأنه أمضى أسلحة العدو في تقويض البناء الثقافي للأمة. هذا السلاح نجح في إحداث “إشعاع” داخل عقول المثقفين والجامعيين المسلمين، حتى صاروا يتلقون معارفهم عن دينهم ولغتهم عبر مقولات المستشرقين، غافلين عما تحتويه من مكر خفي وضغينة مستكينة.
ـ قضية الشعر الجاهلي: يستدعي شاكر القضية التي أثارها المستشرق “مرجليوث” وتلقفها الدكتور طه حسين في كتابه “في الشعر الجاهلي”، ويرى شاكر أن هدف مرجليوث لم يكن علما مجردا، بل كان نسف الثقة بالشعر الجاهلي لإسقاط الأساس العقلي الذي قام عليه إعجاز القرآن قديما.
ثانيا ـ التحرير المنهجي لمفهوم “إعجاز القرآن”: يقدم الشيخ محمود محمد شاكر تحريرا حاسما، في غاية الأهمية والعمق، عبر الفصل بين حقيقتين عظمتين كثيرا ما وقع الخلط بينهما في الدراسات القديمة والحديثة:
ـ الحقيقة الأولى (مناط التحدي والإعجاز): إن إعجاز القرآن هو دليل النبي ﷺ على صدق نبوته، وهو تحد وقع بلفظ القرآن ونظمه وبيانه فقط، بلسان عربي مبين، وليس بشيء خارج عن ذلك.
الحقيقة الثانية (صحة النبوة وصدق الوحي): إن إدراك أن القرآن تنزيل من عند الله، وصادق في أخباره عن الغيب المكنون، وأنباء القرون السالفة، ودقائق التشريع، وأسرار الكون؛ هو باب من أبواب (علم التوحيد) وصحة النبوة، لكنه ليس هو الإعجاز. فالقرآن المعجز بالنظم والبيان هو البرهان على صحة النبوة، أما صحة الأنباء والتشريعات فليست برهانا على إعجاز النظم.
ثالثا ـ صفة الجيل المتحدي ولغتهم (عبقرية البيان): ينتقل أبو فهر بأسلوب منطقي مجرد ليتلمس صفات العرب الذين نزل القرآن يتحداهم. فما دام الإعجاز كائنا في الرصف والنظم، وما دام العرب قد أدركوا فورا هذا الحجاز الفاصل بين كلام البشر وكلام رب العالمين، وجب أن تجتمع لهم ولغتهم صفات فذة:
ـ صنعة البيان وإعجاز القرآن: لم يكن العرب مجرد ناطقين بالعربية، بل كانوا “عبدة البيان”؛ يفتنون في نحت الصور البيانية بألسنتهم، وكان البيان في نفوسهم أجل من أن يخونوا الأمانة فيه أو يجوروا عن الإنصاف في الحكم عليه. ولذلك كفوا ألسنتهم عن معارضته لعلمهم بمباينته التامة لجنس كلام البشر.
ـ الشعر الجاهلي كشاهد وجودي: يرى شاكر أن الشعر الجاهلي هو الأساس الحقيقي لمشكلة الإعجاز. فهو ليس مجرد شواهد للنحو أو مفردات اللغة، بل هو الوثيقة الفطرية الحية التي تحمل في ذاتها أدلة صحتها وثبوتها من خلال قدرتها الخارقة على التعبير عن النفس الإنسانية بخصائص فريدة انقطعت بعد الإسلام.
رابعا ـ التشريح التاريخي لأزمة “علم البلاغة”: يقص شاكر قصة تراجع وانحسار علم البلاغة وإعجاز القرآن، مرجعا ذلك إلى معارك “المتكلمين” والجدل والمراء وطلب الغلبة؛ مما صرف العقول عن المنهج القويم.
ـ زلة الباقلاني: يثني شاكر على الإمام أبي بكر الباقلاني وكتابه “إعجاز القرآن”، لكنه يقف عند “زلة منهجية” وقع فيها الباقلاني تحت ضغط مجادلة الملحدين والجهال. لقد عمد الباقلاني إلى معلقة امرئ القيس فأخذ يفليها ويهتك الستر عن عيوبها ومواضع خللها ليثبت تفوق القرآن عليها.
“لقد جاء مالك بن نبي في هذا الكتاب ليسلك طريقا سننيا فريدا؛ فهو لا يقف عند حدود التقرير الساكن، بل يخضع (الظاهرة) لمقياس الفاعلية التاريخية. إنه يربط الفكرة الدينية بعمليات البناء، موجها الإنسان والمادة والوقت نحو الصلاح؛ وهذا هو عين الوصل المنهاجي الذي يرد للأمة عافيتها البنيوية.”
ـ الموازنة الجائرة: هذه الزلة جعلت المتأخرين يأخذون الشعر الجاهلي مأخذ النقد والتفتيش عن العيب، وجعلت موازنة الإعجاز تقوم على مقارنة كلام بشري تعتريه طبيعة النقص البشري، بكلام إلهي معصوم. وبذلك غاب عن المفسرين والبلاغيين المنهج الأقوم، وهو: دراسة الشعر الجاهلي لاستخراج أقصى ما تطيقه قوى البشر في البيان، ليتجلى من خلاله وجه المباينة المطلقة لنظم القرآن.
إن الاستمساك بالبلاغة الفصيحة والتركيب البياني لمقدمة أمير البيان محمود محمد شاكر لكتاب “الظاهرة القرآنية” لمالك بن نبي، يقتضي أن ننزل مباشرة إلى عين نصوصه ونقوله المفتاحية؛ لتكون بمثابة “مصل التحصين الأعظم” ضد تسلل الأفكار الخبيثة والفكرة الوثن التي تنال من فاعلية عالم التوحيد.
أ ـ فمن نصوصه المفتاحية في بيان “مأزق الثقافة المستوردة” وتعرية الاستشراق وانتقاله في ذلك الى مآلات “الإعجاز البياني” وسقوط فتنة الترجمة: يختم أبو فهر مقدمته ببيان خطورة قتل اللغة والبيان في نفوس الأجيال، معتبرا أن إضعاف العربية في معاهد التعليم هو جريمة استعمارية منعت العقول من تذوق الإعجاز؛ ويقودنا هذا الفهم البياني العميق إلى إبطال “فتنة ترجمة القرآن” من أصلها؛ ويصوغ شاكر هذا الموقف بعبارة قاطعة؛ “فإن البشر إذا لم يكن في طاقتهم بألسنتهم التي يبدعون في شعرها ونثرها، أن يأتوا ببيان كبيان القرآن، تدل تلاوته على أنه بيان مفارق لبيان البشر، فمن طول السفه وغلبة الحماقة، أن يدعي أحد أنه يستطيع أن يترجم القرآن، فيأتي في الترجمة ببيان مفارق لبيان البشر. فإذا لم يكن ذلك في طاقة أحد، لم يكن لهذه الترجمة معنى، بل سيكون فيها من القصور والتخلف، ما يجعل القرآن كلاما كسائر الكلام، لا آية فيه ولا حجة على أحد من العالمين.”
ب ـ في إعجاز البيان والتذوق النفسي (ضد الفكرة الوثن): إن تقعيد شاكر في هذه المقدمة الاستثنائية يمثل السور المعرفي واللساني الحامي حول فكرة “إعجاز البيان والتذوق النفسي”؛ وهي المواجهة الكبرى الكاشفة والمستأصلة ل “الفكرة الوثن” وأوهام الاستلاب، استجابة للمسار التنفيذي الصارم الذي يمنع الانفصام المعرفي، ويدمج طاقات عباقرة الأمة لقطع دابر القابلية للاستعمار النفسي. يؤصل شاكر إذا لطبيعة التلقي الفاعل للنص القرآني كأمر يمس النفس والفطرة لا الجدل البارد؛ “إن إعجاز القرآن ليس مسألة جدلية تدار في كتب الكلام، بل هو طاقة البيان المطلق التي تخترق شغاف النفس البشرية فتحولها كلية.
عندما فقدنا (التذوق اللغوي) الراشد، تحول القرآن في وعينا إلى (فكرة وثن)؛ يعبد نصه لفظيا، وتخان فاعليته في ميادين الحياة والعمران”. في تقعيد حقيقة الإعجاز البياني وعلاقته بالتذوق الباطن؛ يفكك شاكر المرتكز الأساسي لإدراك الوحي، مبينا أن الإعجاز ليس صيغة إحصائية ميكانيكية، بل هو طاقة بيانية تخترق النفس الإنسانية وتصهرها؛ ” إن إعجاز القرآن لم يكن قط أمرا معلقا بظواهر الألفاظ، ولا بقواعد النحو والبلاد، بل هو أمر سار في نفس السامع يتذوقه تذوقا نفسيا يصعب على العبارة الجافة أن تحيط بكنهه أو تحصره في رسومها.”
وهو كذلك يشن هجوما سننيا عاتيا على وباء الانبهار بمادية الآخر، ومحاولات الاستلاب التي تسحب مناهج العلوم الطبيعية الغربية على اللسان العربي والظاهرة القرآنية، واصفا إياها بالوثنية المعرفية الحديثة؛” إن أخوف ما أخافه على جيلنا هذا، هو السقوط في فخ ‘الفكرة الوثن’؛ تلك العقلية التي تقف خاشعة أمام طقوس المناهج الغربية الوافدة، وتحاول أن تزن بها الوحي الإلهي ولسان العرب، وهي مناهج منبثقة من سياق مادي منقطع الصلة بمدد السماء، فالسقوط فيها هو عين القابلية للاستعمار النفسي والذوبان السائل.”
ت ـ في رد الاعتبار لمنهج مالك بن نبي السنني: يشرح شاكر لماذا تبنى كتاب “الظاهرة القرآنية” رغم لغته الفرنسية الأولى؛ “لقد جاء مالك بن نبي في هذا الكتاب ليسلك طريقا سننيا فريدا؛ فهو لا يقف عند حدود التقرير الساكن، بل يخضع (الظاهرة) لمقياس الفاعلية التاريخية. إنه يربط الفكرة الدينية بعمليات البناء، موجها الإنسان والمادة والوقت نحو الصلاح؛ وهذا هو عين الوصل المنهاجي الذي يرد للأمة عافيتها البنيوية.”
إن حمل أمانة البيان عند شاكر شكلت بحق واحدة من أعمدة النهوض الراشد الفاعل وربط الناشئة بديوان العرب وأصالة اللسان، وشحذ طاقاتهم التعبيرية والذوقية (الذائقة اللغوية والفصاحة البلاغية)؛ ذلك أن الإنسان الذي يمتلك بيانه يمتلك هويته ومنعته. إن أمانة الذود عن الثغور في وجه الكيد الاستشراقي (مرجليوث وأشياعه) ليعيد الاعتبار ل (الشعر الجاهلي) كوثيقة فطرية حية تحمل أدلة ثبوتها في ذاتها، معتبرا أن دراسة طاقة البشر البيانية العليا في هذا الشعر هي التي تجعل وجه مباينة إعجاز القرآن ظاهرا وقطعيا، وبذلك أبطل فتنة الترجمة والتبعية اللفظية؛ في الارتباط البنيوي بين استقامة اللسان وعافية الأداء الحضاري؛ يرى شاكر أن خرق المناعة اللسانية والتذوقية هو المؤذن بانهيار الكيان بالكامل ودخوله في متوالية التفتيت؛ وأن العافية تبدأ من صيانة لسان التلقي: “إذا انخرمت حاسة التذوق النفسي والبياني لدى الأمة، انخرمت بالضرورة قوامتها الحضارية وسقطت لحمتها الوجودية؛ فالسيادة المعرفية واللسانية هي السند المتصل والرحم الموصول الذي يمد المنظومة الحركية بطاقات الاستقامة، وبترها هو العبور المباشر نحو الهاوية المحققة.”
بعبارة كثيفة فإن البيان واللسان إذا هما مستودع “السلائق المغروزة” وقوة الإبصار لتتحول الى بصيرة، وذائقة لغوية وبلاغية تصير ملكة؛ وبث الروح في الجسد القائم للتحرك في الأرض. إن تحويل النص من “مادة للحفظ والتبويب” إلى “محرك حركي سيادي”؛ يستنهض عرق المكابدة ويحرك سواعد الفاعلين في الميدان للترقية لمنصة التمكين والنهوض الراشد المكين.