نشر في مصر العربية الأحد 8 نوفمبر 2015
..
على الرغم من أن الواقع قد اتجه إلى التعدد في الكيانات الإسلامية منذ أن كانت هناك خلافة عباسية في بغداد وأخرى أموية في الأندلس، وبدت بعد ذلك كيانات التغلب التي تعددت مستندة إلى قوتها وشوكتها وغلبتها وقدرتها على الاستيلاء على السلطة والسلطان، وقد ارتبطت كيانات التغلب تلك بالخلافة العباسية ارتباطًا اسميًا ورمزيًا، وتعددت هذه الإمارات تبعًا لجنس وعرق، فضلًا عن اتباعها مذاهب دينية شتى، وأفرز التعدد آنذاك إشكالات مهمة على أرض الواقع في السياسات والعلاقات.
جاءت الدولة العثمانية لتشكل نموذجًا في تحقيق جامعية الأمة حتى لو أتاحت التعدد داخلها، ولكن لم يكن ذلك على نمط إقرار التعدد المتغلب وإمارات الاستيلاء والارتباط الاسمي والرمزي بالكيان المركزي للخلافة العباسية؛ ولكن ذلك كان يعني محاولة نظم هذه الكيانات من خلال حروب جمعت تلك الكيانات في منظومة الخلافة العثمانية، فاتجهت بالأساس لتكوين “جامعة إسلامية” انطلقت بعد ذلك فاتحة لأجزاء عديدة من أوروبا، والتي حملت هذا الهاجس العثماني في طيات سياساتها وعلاقاتها منذ نشأة كيان الخلافة العثمانية وحتى بعد تفكيكه، خاصة ما تركه من آثار مهمة على الأمن الأوروبي، والبلقان والقوقاز ليسا إلا دالتين مهمتين في هذا المقام.
وبغض النظر عن الفشل الذي طال هذا النموذج في النهاية، وسواء جاء تفسير هذا الفشل لأسباب داخلية تتعلق بالكيان العثماني ذاته، أم في علاقاته المتعددة مع كيانات أخرى انتظمت في المنظومة العثمانية، أو لأسباب خارجية تَعيّن من خلالها تكوين جبهة من الدول الأوروبية لمواجهة التحدي العثماني آنذاك، أو لأسباب خارجية داخلية تشكلت فيما سُمّي بالثورة العربية، واتفاقات وعلاقات مع الدول الأوروبية حملت قدرًا من الخداع الذي كان مقدمة مع اتفاقية سايكس بيكو ومؤتمر سان ريمو لتقسيم مناطق نفوذ استعمارية.
بغض النظر عن كل ذلك، فإن الحقبة العثمانية قد انتهت، وبرزت الحقبة الاستعمارية التي استولت على ميراث الدولة العثمانية، وأُلغيت الخلافة التي صارت رمزية في تركيا، وبدا هذا الوضع الجديد يفرز سياسات وعلاقات جديدة ومتمايزة عما سبقها من حقبة مثلت سيطرة الخلافة العثمانية. خلّفت تلك الحقبة الاستعمارية وضمن علاقات المستعمِر والمستعمَر، والسيد والتابع، وتقسيم علاقات النفوذ إلى أن تكون المنطقة التي يُشار إليها بالعالم الإسلامي (حتى في امتداداته الآسيوية والإفريقية) موضوعًا لا طرفًا، مفعولًا به لا فاعلًا، وأفرزت نمطًا من العلاقات التابعة للدولة المستعمرة. إلا أن الشعوب لم تكن في حالة من الإقرار لهذا الوضع أو تلك الحالة الاستعمارية من غير مقاومة، وبرز العامل الإسلامي – العقدي ضمن عوامل أخرى في عناصر المقاومة للاستعمار الاستيطاني، والمطالبات بالاستقلال والتحرر.
وأنتجت هذه الحقبة – ضمن ولادات قسرية وقيصرية – كيانات شديدة التنوع والتعدد والتجزؤ، وغلب على الفكر الاستعماري في هذا المقام سياسات عدة:
- الأولى: “ارحل لتبقى” في إطار صياغة سياسات جديدة تناسب مرحلة التحرر والاستقلال السياسي، بعد أن كان شعارها “ابق لتنهب”، وهو ما يعني الحرص على عناصر تؤكد العلاقات التابعة واستمراريتها، على تفاوت بين المناطق والكيانات المختلفة في درجة تابعيتها وارتباطها.
- الثانية: تقسيم هذه الكيانات إلى دول تتحرك ضمن علاقات تسند تحقيق هدفها في سياسات البقاء الجديد في شكل الرحيل، وكان الشعار “فرق تسد”، والذي أبرز هذه الكيانات بما يضمن حال فرقتها إما تكوينًا، أو اصطناعًا، أو إثارة، كل ذلك في سياق ما أُسمي بالاستعمار الجديد، أو ما تحركه عوامل الاستعمار واستثمار عناصر القابلية للاستعمار، والتي شكلت قواعد مهمة لصياغة السياسات والعلاقات، سواء ما فرضته من علاقات بينية بين بعضها، أو من علاقات بين هذه الدول والدول المستعمرة السابقة، فضلًا عن تلك العلاقات بين هذه الدول فيما بينها، وهي أنماط السلوك والسياسات والتفاعلات والعلاقات والأنظمة التي سُمّيت فيما بعد بـ “النظام الدولي”.
في هذه المرحلة تكونت أنماط من العلاقات والسياسات غلب عليها:
- استمرارية علاقات الدول المستقلة بالدول المستعمرة لها سابقًا.
- تفجر العلاقات البينية بين هذه الدول فيما بينها.
- محاولات إنشاء كيانات وتنظيمات هدفها تنسيق وتنظيم العلاقات فيما بينها.
وبينما كانت السياسات والعلاقات الدالة على النمطين الأول والثاني، كان المستوى الثالث – سواء في حجم هذه المؤسسات أم أهدافها وفاعليتها – أقل تأثيرًا؛ مما غلّب الاتجاه “التابعي” في علاقات تلك الدول بالمستعمر السابق لها أو بعلاقات تبعية جديدة، والاتجاه التصارعي أو الاقتتالي بين هذه الكيانات فيما بينها (نزاعات الأعراق – نزاعات الحدود – نزاعات المذاهب)، أما الاتجاه التعاوني فظل في أدنى مستوياته من التفعيل والفاعلية.
المهم أن هذه المرحلة تميزت بالولادة القسرية الشائهة لما أُسمي بالدولة القومية في دول العالم الإسلامي ودول العالم الثالث، وإن نظرة مقارنة على تاريخ العلاقات الأوروبية وكيف كانت القومية والدولة القومية مداخل للجامعية (الوحدة الإيطالية، الوحدة الألمانية – الأمة الفرنسية، الأمة البريطانية)، وتاريخ العلاقات لدول العالم الإسلامي، وكيف كانت الدولة القومية نتاجًا لتفكيك كيانات أكبر (الدولة العثمانية) وحملت في طياتها عناصر تفكيك – أو هذا ما أُريد لها – أكثر مما حملت عناصر جامعية.
هذه الملاحظة تعني ما أحدثته هذه النشأة المشوهة والقسرية للدولة القومية من ميراث المشاكل الممتد في داخلها، وفي علاقاتها البينية أو الإقليمية، والارتباط القافز على مقتضيات الجغرافيا (التجاور المكاني) ومقتضيات الزمان (التحديات التاريخية الممتدة عبر الزمن) ومقتضيات العقدية الجامعة (الإسلام) أو الثقافة الداعية إلى الوحدة، في علاقات خارج الكيان معظمها يتسم بالتابعية.
كما تعني هذه الملاحظة أيضًا أن ميراث الدولة القومية حافظ بشكل حاد ومتواتر على علاقات تسير صوب التفكك لا التكامل (السيادة – الحدود)، خاصة حينما يتحول التمسك بها وبما يترتب عليها من سياسات وعلاقات إلى حالة مرضية تضعف الكيان، كما تضعف علاقاته بكيانات أقرب ما تكون إليه.
وإن نظرة مقارنة بين المسيرة نحو المؤسسات الجامعة في الخبرة الأوروبية والخبرة في عالم المسلمين لتشكل دالة واضحة في هذا المقام. وما تحمله هذه المؤسسات من قدرات تفعيل في الخبرة الأوروبية وتصورات عن السيادة والحدود والتكامل، وما تشير إليه تلك المؤسسات في خبرة عالم المسلمين من استمساك مرضي بالسيادة والحدود تصل إلى حد التأثير الناسف لتفعيل وفاعلية هذه المؤسسات في العلاقات والسياسات، أو الوجود الرمزي لمؤسسات التكامل دون إجراءات تصب في فاعلية علاقات التعاون والتكامل.
الدولة القومية كانت في الغرب “جامعة”، بينما هي في عالم المسلمين نتاج لتفكيك كيانات أكبر فخلفت ميراثًا من المشاكل.