نشر في موقع مصر العربية؛ الأحد 22 نوفمبر 2015

..

“الجماعة الوطنية” اجتهاد غاية في الأهمية يعالج كل سلبيات مفهوم الدولة القومية، ويؤسس لمعاني الجماعة الوطنية كمفهوم يستوعب المواطنة.

اجتهاد حمله المشروع الفكري للحكيم طارق البشري الذي يشير لقواعد التأسيس للجماعة الوطنية: إنشاءً واستقرارًا واستمرارًا. هذا المفهوم يحمل في طياته خماسية تسعى للتماسك والتعايش، فالاختلاف كسنة إلهية كونية، وما يتبعه ذلك من أن التعدد حقيقة لا مراء فيها، وما يترتب على ذلك من أن التعايش ضرورة لا محيد عنها، وهو أمر يشير ومن كل طريق إلى التعارف كعملية بل عمليات متراكمة يجب أن يقوم بها الأطراف المتنوعون والمختلفون والمتمايزون، وأن أهم آليات إدارة هذا الاختلاف والتعدد وبلوغ التعايش المنشود والتعارف المطلوب هو الحوار كآلية كبرى يجب أن تغطي مساحات الاختلاف وتقوم بالعمل المطلوب حيالها، بحيث تحرص على أن يكون ذلك الاختلاف اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، اختلاف تكامل وتقسيم وظيفي للعمل لا اختلاف تنازع. إدارة الاختلاف والتعدد لمصلحة التعايش والتعارف والحوار يؤصل معاني الخروج من الاختلاف للائتلاف.

مفهوم الجماعة الوطنية يعني تماسك عناصر النسيج الاجتماعي للأمة، وذلك ضمن مدخلين للمرجعية: مرجعية الجماعة الوطنية وقواعد النظام العام التي لا تستنكف من أن تجعل الثقافة الإسلامية أصلًا مرجعيًا مكينًا، بالاعتراف بالثقافة العامة والثقافات الفرعية المتنوعة، وكذا مرجعية المواطنة في العمل السياسي والشأن العام وقضايا الحقوق والواجبات، بما يؤسس لجامعية المواطنة عبر الوطن ودون أدنى شبهة للاستقواء بالخارج أو العمل خارج قواعد تأسيس الجماعة الوطنية.

إن الجماعة الوطنية تتضام عناصرها وتتماسك قواها بقدر نهوضها الجمعي لدفع مخاطر الخارج عليها، والذود عن أرضها، وعن ثوابتها الفكرية وعن مصالحها السياسية والاقتصادية بعيدة المدى. وأن مخاطر الخارج عليها تعمل، فيما تعمل، على تفكيك هذا التماسك؛ فنحن شعوب قامت جماعتها الوطنية وتماسكت في معارك الدفاع عن النفس وعن التراث الجماعي في مواجهة مخاطر الخارج. وأن تيار العزلة ينمو مع زيادة النفوذ الخارجي، وتيار الاندماج ينمو مع قوة المواجهة الوطنية لهذا النفوذ الخارجي. الجماعة الوطنية متشكلة ومتبلورة إذ تقوم على أسس فكرية ونظرية وعلى سلوك عملي، وتعتمد على المساواة والمشاركة في الحقوق والواجبات.. على مبدأي الاستقلال السياسي والديمقراطية وعلى منهج المساواة.

لقد عرفت مجتمعاتنا أنواعًا شديدة التعقيد من التنوع مع التداخل والتشابك؛ لأنه تنوع يقوم على تعدد معايير التصنيف الاجتماعي، فالوحدات السياسية كبيرة ممتدة، وتنشأ بداخلها الوحدات الاجتماعية بمعايير شتى، منها ما يقوم على التصنيف القرابي أو الأسري كالقبائل والعشائر، ومنها ما يقوم على التصنيف الإقليمي كالقرية والناحية والحي؛ مما يفيد قدرًا من التميز دون إمكانية الانفصال، ومنها ما يقوم على التصنيف الحرفي والمهني وعلى التصنيف المذهبي أو الملي أو الطُرقي.. إلخ.

ومن هنا فإن الإسلام استوعب خبرات القبيلة، فالقوى التي تمثل أصولًا قبلية وعرقية معينة كالقبائل العربية وحَّدها الإسلام، وصارت من الوحدات العاملة في المجتمع، صبت في صحته وعافيته وإفناء كل ما يؤدي إلى مرض المجتمع والفت في عضده وفي كيانه أو في قدراته وفاعلياته. واستوعب كل أسلوب تنظيمي في البلاد المفتوحة طالما صب في عمران الكيان وترسيخ عناصر فاعليته، وبما يتناسب مع الأطوار الحضارية لكيان الجماعة الإسلامية. وكل هذه الوحدات أو التنظيمات وما تمثله من خبرة تعتمد على تصنيفات متعددة.

وليس في هذه الوحدات ما يقوم به أساس للمواجهات بين بعضها البعض، ولا ما يقوم به كل منها مستقلًا بنفسه.. وإن تزاوج هذه الوحدات الاجتماعية مع التكوينات الفكرية الدينية سواء الوحدات الملّية أو الطائفية أو الطريقة الصوفية كان يمنحها يسرًا في شعور ذويها بالانتماء لها.

ولكل مجتمع في الظروف التاريخية التي تجد عليه وتستدعي تغييرًا أو تطويرًا لأنظمته، أن يعيد بناء نماذجه التنظيمية ويعيد تشكيل العلاقات بين بعضها البعض، ويمكن أن يضيف إليها وأن يطور نماذجها وأن يستفيد من النماذج التنظيمية الموجودة لدى الآخرين في المجتمعات الأخرى، وأن يجري تطعيمًا وتهجينًا لهذه النماذج مع غيرها من خارج تجربته التاريخية، ولكن كل ذلك لا يعني الهدم والإزالة لكل ما هو موجود، ولا النقل والإحلال لأصل النظم السياسية التي تفتقت عنها البيئة الخارجية ونماذجها وأجهزتها، فإن ذلك فيه من التدمير والتشويه ما لا يعوضه قيام الأبنية الجديدة، على صورة ما حدث في خارج التجربة الاجتماعية.

لا بد أن نستفيد من خبرات الآخرين والعاقل من اتعظ بغيره، والموعظة تأتي بالأخذ والترك لا بأحدهما فقط.. ووجه الدلالة أن النظم الغربية صممت فكرًا ومؤسسات وأجهزة في عصور أمنٍ تامٍّ من أي خطر خارجي، وقد صار إعمالها في المجتمعات العربية الإسلامية في عهد المخاطر، وفي عصر السيطرة الأجنبية على هذه المجتمعات.

وهذا الازدواج الذي حدث بين المؤسسات القديمة والحديثة لم يكن من شأنه وحده أن يقلل من عافية الجماعة أو البيئة الاجتماعية أو الهياكل الفكرية، فلو أن الأمور جرت على سجيتها؛ كان الأرجح أن يتفاعل الطرفان ويتبادلان التغذية على المدى الزماني الأطول. ولكن الذي حدث أنه ما إن ظهر هذا الازدواج حتى بدأ يتسرب إلينا النفوذ الأوروبي في الكثير من المجالات والأنشطة، ووجد هذا النفوذ فيما وفد علينا – من مؤسسات غربية، ومن فكر وعقائد – بيئة خصبة، فسرعان ما احْتُلَّت هذه الأبنية المؤسسية الحديثة وصُرفت عن هدفها الأصلي الخادم لحركة المقاومة الحديثة ضد مخاطر الغزو الغربي، ووُجهت وجهة التلقي والتابعية والتثبيت للنفوذ الغربي بعامة.

وقد كان الخطر الخارجي الحالّ ذو الوقائع الممتدة عبر سني القرن التاسع عشر، هو ما به توقفت حركة الإصلاح الفكري والفقهي، لأن مجال التجديد في الفكر والفقه كان يجري مكافحة بالمؤسسات الحافظة، ولأن قيام الخطر الخارجي المهدد لأمن الجماعة كلها من شأنه أن ينحي المشاكل الداخلية ويبعدها عن بؤرة الاهتمام، ومن شأنه أن يلقي على سلطات الحكم والمؤسسات الحاكمة مهام الدفاع عن الجماعة وحماية الحوزة؛ مما يستدعي من الكافة المساندة والالتفاف، وإرجاء خلافات الداخل. وهذا ما حدث منذ أن اشتعلت المخاطر الخارجية في بدايات القرن التاسع عشر؛ إذ ذوت معها حركة الإصلاح الفكري على مدى النصف أو الثلثين من بداية ذلك القرن.

لذلك كان من نتائج هذه الفترة حدوث نوع من الانفصام بين حركة الإصلاح المؤسسي وحركة الإصلاح الفكري، ونوع من الازدواج بين الأبنية التقليدية نظمًا وفكرًا، وبين الأبنية الحديثة نظمًا وفكرًا، فصار القديم أبتر مقطوعًا؛ لم يفض إلى جديد من نوعه أو من مادته ومائه، وصار الجديد أجنبيًا لقيطًا، وفد من نسق عقيدي آخر ومن أوضاع اجتماعية وتاريخية مختلفة. وما إن حل القرن العشرون حتى كانت البيئة الاجتماعية والفكرية قد انصدعت بين قرن أبتر وقرن لقيط أعقبه. وهذا ما ورثناه حتى اليوم وما تواجهه مجتمعاتنا في نظمها السياسية والاجتماعية بمجتمع مصدوع عليها أن تلأم صدعه، وأن تجدد قديمَه وتؤصل حديثَه.

فهو إن جعل من الأمة وحدة تحليله التأسيسية، ومن الجماعة الوطنية وحدة تحليله الواقعية، فإنما أراد أن يبحث عن معنى الأمة في الجماعة الوطنية، وهو عمل لا يفقد الأمة كوحدة تحليل مرجعيته ولكنه في ذات الوقت لا يفقد الواقع، ولا يتركه نهبًا لوحدات تحليل تضر بالظاهرة وإمكانات فهمها والتعامل معها وتقويمها.

وكما يشير البشري فإنه يحاول توضيح الأهمية الاجتماعية والحضارية القصوى لوجود هذه الوحدات جميعًا، لأن وجود الوحدات الفرعية يغذي الوحدات العامة ويتغذى منها.

ونحن نخطئ إن تصورنا أن وجودها يشكل انتقاصًا من الوحدات الأعم، إن الإنسان مدني بطبعه، ولا يوجد فرد بغير جماعة. وإن وجوده بغير جماعة هو أقرب إلى التصورات الصورية الافتراضية.. إن الفرد دائمًا هو داخل في وحدة أو أكثر من هذه الوحدات الجمعية، والنظام يكتسب حيويته من قيام هذه الوحدات ونشاطها وتفاعلها.

إن حيوية المجتمع وقدرته على تنويع حركته وعلى تغيير أوضاعه مع الظروف المتغيرة وقدرته على تكوين استجاباته وفقًا لوجوه المواجهة وألوانها التي تفرض عليه، كل ذلك يتوقف على مدى فاعلية وحدات الانتماء التي تربط أفراده في كل هذه الأنواع والأجناس من الجماعات المتداخلة التي تبني للمجتمع عروته الوثقى، تتوقف على مدى حيوية هذه الوحدات وفاعليتها، وكل ما هو مطلوب ألا نضعف أيًّا من هذه الوحدات لحساب الوحدات الأخرى ولكن أن نضعها كلها ونعيد ترتيبها؛ بما يجعلها يقوي بعضها البعض، ويغذي بعضها البعض، ويدعم بعضها البعض.

الجماعات الفرعية هي مولدات الحركة للجماعة كلها في صورها الشاملة، ونحن نخطئ أيما خطأ – ولقد أخطأنا – عندما نظرنا إلى وحدات الانتماء العامة بوصفها نوعًا من أنواع أجولة الحبوب تحمل حبات منفصل كل منها عن الأخرى، وتضم وحدات متماثلة على غير تنوع ولا تدرج ولا تفاعل بين بعضها البعض.

إن القومية لا تضم أفرادًا، والوحدة الإسلامية لا تضم أفرادًا، المصرية والعراقية أو المغربية لا تضم أيضًا أفرادًا، إنما تضم جماعات تمثل وحدات انتماء تقدر كل منها على الانبعاث الذاتي وتدفق الحركة من داخلها وبالمولدات الذاتية الخاصة بها. ونحن نخطئ عندما ننظر إلى مجتمعاتنا بذات الرؤية والتصور الذي ساد لدينا عن مجتمعات الغرب عمومًا.

وفي إطار هذا الفقه من أستاذنا البشري لدوائر الانتماء أكد على نقطتين:

الأولى: أن الكثير من مؤسسات وحدات الانتماء الفرعي قد دُمرت، إما لأن الهيمنة الغربية اقتضت تدميرنا، أو لأننا نحن ضربنا فيها معاول الهدم، لأننا نظرنا إليها من منظور التقليد للغرب. ومن منظور ما فهمناه عن المجتمع الغربي. فرأينا في مؤسساتنا وحدات انتمائنا الفرعية لا ككونها موضوعًا للإصلاح والتجديد ولكنها عقبات في وجه الإصلاح والتجديد، فهدمنا “تجديدًا” ودمرنا “إصلاحًا”. ثم لما شيدنا على أنساق الغرب ما شيدنا لم نجد من هذه التكوينات الفرعية ما يمكن من الأعمال النافعة للمؤسسات الجديدة.

والثانية: أننا نظرنا في النظام الغربي المأخوذ عنه في صياغاته الفلسفية التي تبدأ بالفرد ثم تقفز إلى التصور الكلي العام، ولقد جرى في الغرب إعلاء القيمة الفردية لتحرير الفرد من بعض المؤسسات الضاغطة والمانعة من انتقاله إلى مؤسسات جمعية أخرى تولدت في المجتمع نفسه، تحريره من ربقة القنانة وإطلاق حريته في الاقتراب من وحدات الانتماء التي ولدت من رحم المجتمع نفسه في المدن والمصانع والجمعيات والنقابات. فكان التركيز على الفردية لا لكي يتناثر الناس أفرادًا ولكن لكي تنفتح أمامهم مسالك الانجذاب والانضمام إلى ما يرون من وحدات أخرى.

أما نحن فقد تصورنا المجتمع من خلال علاقة الفرد المنفرد بالجماعة القومية وبالدولة فـ “متى صار الشعب أفرادًا فقد صار الحاكم فردًا لزوال التكوينات الضاغطة”، التربية على المواطنة – لدى البشري – لا تتم إلا عبر الوطن، وهي صد العوادي والاستبداد، ومقاومة لكل صنوف العدوان من الخارج.

هكذا يحل مفهوم الجماعة الوطنية قضية المرجعية وإشكالية المواطنة ومشاكل وحدات الانتماء ومنهج النظر ضمن سياقات تحاضنها لا تناقضها، هذا الاجتهاد لا بد أن يقف عليه المشروع الإسلامي تنظيرًا وتطبيقًا، فيتعرف على مقتضياته والبحث في مآلاته. القضية في المجتمعات المعاصرة لم تعد في الدولة القومية ولكن في معادلة الدولة القوية الفاعلة الهادفة لترسيخ واستلهام معنى الأمة في اتساع أفقها وجماعة وطنية في توثيق عراها وتمكينها.