نشر في موقع مصر العربية؛ الأحد 6 ديسمبر 2015
..
لماذا “الشرق”؟ لماذا “الأوسط”؟ لماذا “الكبير”؟
أما “الشرق” فلأنه هو الغرب المتحدث المحدِّث وحده، وهو لا يدرك الآخر إلا من منطلق “مركزية الذات” وأوليّة الأنا، فكنا شرقًا، رغم أننا في الوسط (وسط الكوكب / وسط الخريطة التي يتفق على رسمها الجميع وأهل الاختصاص)؛ لأنه رأى نفسه أُسًّا وأساسًا، وما عداه كان شرقًا وآخر وثانيًا وثالثًا، وفضلوا إعادة تسميته كما تراءى لهم، فـ “الشرق” تعبير عن وجهة نظر المتكلِّم، حين لا يرى معيارًا للتسمية إلا هوى ذاته، من منطلق “الغرب والباقي: The West & The Rest”.
أما “الأوسط” فهو استدراك على مطلق “الشرق”، إنه شرق مخصوص بخاصية، ومقيّد بقيد يميزه عما سواه، إنه “أوسط”؛ ذلك أن أمته هي الأمة الوَسَط، إن “الأوسط” اعتراف بالتميز اضطر الغرب إليه من جهة، وسعي للاستبدال والتحويل والتحريف من جهة أخرى، تحريف “للأمة الوسط”.
أما “الأمة الوسط” فهي الحقيقة المفترضة لهذه الأمة بالجَعْلِ الإلهي، وبشروطها التي على رأسها “الشهود والشهادة” على الناس، واتّباع الرسول الشاهد المبشر النذير السراج المنير الداعي إلى الله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا).
أما “الكبير”، فإن كل مشروعات الغرب حين يحتك بعالم المسلمين، وكل المشروعات المواجِهة له تنحو إلى “تكبير المسألة”، ومدّ المجال الحيوي للغرب لإنجاز مصالحه أو بالأدق مطامعه الممتدة التي لا نهاية لها. فما السر في هذا الميل التوسيعي؟ إنه مفاعل “الأمة” الذي يستقطب الآخر إلى نمط من التعامل الشمولي الساعي إلى تفريق “الجمع” وشرذمة “الجماعة”، وتفكيك أوصال “الأمة الجامعة”، والذي يستقطب كذلك مشروعات الإصلاح لكي تنهض على أساس استجماع المُكنات في صورة “الأمة“.
إن مفهوم “الأمة” كان يرتبط عادة بمشروع إصلاحي: فعبد الرحمن الناصر حين طبَّق مبدأ “النصرة والموالاة” وسار عكس تيار الشرذمة الطوائفي أفرز مشروعًا إصلاحيًا قوامه “الأمة الجماعة” فدانت له الأندلس، وكذا بقايا السلاجقة (زنكي وابنه نور الدين) والأكراد (الأيوبيين) الذين ارتقوا على واقع “الشعوبية” وأيقنوا أن لا سبيل إلى استرداد بيت المقدس إلا من بعيد؛ من “الجبهة الموحدة”: شمال العراق مع الشام مع مصر، مع الاعتراف بالمظلة، ورفض كل الرموز المناوئة الهادمة للمظلة، هؤلاء عرفوا سر المسألة (الأمة الجامعة) فأفلحت مساعيهم. إن ابن تومرت كان مثالًا على الربط بين شرق الأمة وقلبها الذي ارتبط به عقيدة وعلمًا وحَجًّا، وغربها حيث الأندلس والمغرب “الأقصى”، كذلك استكمل المرابطون النموذج حين ضموا الجنوب إلى الشمال، وكسروا الجغرافية الفاصلة، والتاريخية المفرّقة؛ ليربطوا – بأربطتهم ودولتهم – الأواصر الأصيلة.
لقد كان كلٌ من هؤلاء يرجع – إبان الأزمة – إلى الأمة، “يفيء إلى أمر الله”، “يتحيز إلى فئته”، في عمليات كرّ وفرّ تشيد الإطار ولا تهدمه.
إن “يوم الأحزاب” عاد أدراجَه، ولكنه عود غير أحمد، فالخندق الحائل الحامي قد ردمته “العولمة”، والاختراق صار – في ظل قابلياته – خرقًا وانخراقًا، والأحزاب صار فيهم مَن هم “من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا”، وبرزت الأمة / القصعة “تتداعى” عليها الأمم من فوقها ومن أسفل منها، لا من قلة، ولا من إقلال، بل من وهنٍ وقابليات استخفاف.
فأين سفينة الأمة من هذا الخضم؟ هل يعي هؤلاء ممن خرقوا “سفينة الأمة” ولسان حالهم يقول: “نخرق خرقًا في موضعنا هذا، ولم نؤذِ من فوقنا، نحصّل منه ماءنا، هذا موضعنا نفعل فيه ما نشاء”؟!! ما بال هؤلاء لا يفكرون إلا تفكيرًا “أخرق” يخرق السفينة حتى تشرف على الغرق والهلاك. إن بعضًا من الأمة لا يَعُون الدرس، ولا يتخذون العبرة من الخبرة والفكرة، لم يتعرفوا على درس مصطفى صادق الرافعي حينما بحث في متتابعات منظومة السُّنن فوجد أن “أصغر خَـرْق يَعنِي أوسعَ قَـبْر”؟
إن المشروعات التي تحمل شعار “الشرق الأوسط” برزت تاريخيًا لتعبر عن هدف السيطرة على المنطقة بأشكال وأساليب تختلف حسب الزمان والمقام، وهي وسيلة تشكّل حلقة متصلة – سواءً أكان هذا “الشرق الأوسط” “جديدًا” أم “كبيرًا” – لتحويل أنظار الشعوب (إسلامية أو عربية) عن هدفها الاستراتيجي الذي أجمعت عليه “الأمة” منذ سقوط الخلافة العثمانية؛ والذي يهدف إلى إعادة بناء المنطقة العربية والإسلامية وإعادة توحيدها في صورة عصرية من خلال بناء تكتل إقليمي يضم دول العالم الإسلامي العربية وغير العربية، وهو أمر يحيلنا إلى قواعد النظر السليم لمشروعات الشرق الأوسط؛ هذا النظر الذي لا يكفي فيه مجرد رفض تلك المشروعات التي تحمل شعار الشرق الأوسط، بل لا بد من أن تضع القوى الفاعلة سياقات عملية لبناء تكتل عربي إسلامي إقليمي عصري مستقل عن نفوذ الإمبراطوريات الأجنبية التي تريد استغلالها والسيطرة عليها.
ومشروعات شعار الشرق الأوسط ليست إلا تحايلًا أجنبيًا يراد به تجاهل وحدة الأمة العربية الإسلامية صاحبة هذا الإقليم، بل وتجاهل وجودها وحقوقها، وإعطاء منطقتنا اسمًا جديدًا يفتح الباب لسيطرة قوى أجنبية، تهدف من وراء مشروعاتها ومبادراتها إلى تحقيق مصالحها التي ترى في الهيمنة والسيطرة عليها الطريق المؤكَّد لتحقيق ذلك في النظر إلى هذه المنطقة كعُقدة استراتيجية، فهل يمكننا أن نتدبر تلك المعاني حينما يرِد علينا شعار تارة يوصف بشرق أوسط جديد، وتارة بالكبير؟
إن “الشرق الأوسط” إقليم واسع في هذه الأيام، وله قضية تُذكرنا “بالقضية الشرقية” أو ما عرف بالمسألة الشرقية في القرن التاسع عشر. والذين عاصروا لغة السياسة والصحافة قبل الحرب العالمية الثانية يذكرون أن هذه التسمية لم تكن شائعة كما هي الآن، ولم تكن تعني ما تعنيه الآن، ويلاحظون أنها بدأت تروج في الخمسينيات والستينيات في فترة الحرب الباردة، حتى إنها أخذت معنى أوسع مما كان لها من قبل، ومن حقهم أن يسألوا أنفسهم عن العوامل التي فرضت هذا المصطلح على لغة الصحافة والإعلام والسياسة، ومن حقهم كذلك أن يبحثوا عن الأسباب التي دفعت بعض القوى لترويجه، والأهداف التي ترمي لها من وراء ذلك.
كان “الشرق الأوسط” قبل الحرب العالمية الأولى منطقة تفصل بين “الشرق الأدنى” و”الشرق الأقصى”، ولكنه اليوم في لغة الصحافة والسياسة الغربية قد اتسع نطاقه ليشمل في نظرهم ما كان يُسمى من قبل بالشرق الأدنى إلى جانب ما كان يُسمى بالشرق الأوسط قبل ذلك: “Great Middle East”. ولا يمكن فهم هذا التوسع في مفهوم “الشرق الأوسط” إلا بدراسة العوامل الفكرية والسياسية التي تؤثر في رسم خريطة العالم وتحديد مناطقه، وهذه العوامل لا تقتصر على الاعتبارات الإقليمية والجغرافية.
إذا كان “الشرق الأوسط” تعبيرًا جغرافيًا، فإن أحد أهم غاياته الزائدة على مجرد الوصف تمثّل في “زرع إسرائيل في الكيان العربي”، بل وإيجاد قاعدة شرعية وحجية ليس فقط لاستزراعها بل وقبولها ضمن مشروع أُسميَ “السوق الشرق الأوسطية”، وضمن حركة تطبيع وتطويع كبرى، وصار “الشرق الأوسط مزروعًا به إسرائيل” شعارًا دالًا ومؤشرًا على استراتيجية بعيدة المدى.
ولا يكتفي دعاة “مشروعات الشرق الأوسط” بفرض التعاون مع إسرائيل اقتصاديًا، بل يريدون أن تكون لها الأولوية على علاقات التعاون بين الدول العربية والإسلامية بل وسيلة لمنع هذا التعاون، شاهدُنا في ذلك اتفاقاتٌ مفروضة ومشروطة، يتوارى فيها استخدام مفاهيم “العالم العربي” و”العالم الإسلامي” فضلًا عن المفاهيم التي تتمحور حول “الأمة”؛ لمصلحة كل تعبير يحمل مدلول “الشرق الأوسط”.
إن شعار “الشرق الأوسط” في المدى الطويل سوف يتناقض مع وجود الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي أو أي تكوين جماعي يشير إلى معنى التوحد والجامعية، لقد بدا هذا المفهوم ضمن عمليات إحلال، في الوجهة والهدف والمقصد.
وحينما يبرز مفهوم “الشرق الأوسط الكبير”، وما يحمله من تضمينات، فإننا أمام منطقة أكثر اتساعًا؛ على مقاس المصالح الأمريكية والتي اتسع مجالها الحيوي بكل حدوده للتعامل مع عالم المسلمين والعالم الإسلامي، فصار “الشرق الأوسط الكبير” ليس إلا العالم الإسلامي أو يكاد؛ هكذا سيكون هذا المفهوم الجديد هو البديل “للأمة الوسط”، وكأن هذه المنطقة بين مشروعين يتدافعان: “الشرق الأوسط” و”الأمة الوسط”.