تراث العلاقات الدولية في الإسلام

نشر في موقع مصر العربية؛ الأحد 24 يناير 2016

..

يقوم الانقلاب منذ أتى بالتدليس على الكلمات ومحاولة أن يقوم بملئها بمعانٍ مغلوطة وخطاب زائف لا يُبتغى منه إلا أن يُحدث انقلابًا في الأفهام وقلبًا للمعاني.

مارس ذلك في كثير من المفاهيم التي استولى عليها واغتصبها من جملة ما وضع يده عليه وحكم فيه بأمره وعبث به أنّى شاء وبأي طريق أساء، وبدت كلمات مثل “الشعب”، و”الأمن القومي” و”الوطن” محل ذلك التلاعب والعبث رغم أن هذه الكلمات مما لا يجوز التساهل فيه أو التجرؤ على معانيه أو مغازيه، ومن جملة هذه الكلمات الحديث عن “تجديد الخطاب الديني”؛ تحت هذا العنوان يمكن أن يُعبث بأي شيء والحديث في كل شيء من دون أي ضوابط في ظل حديث أشبه بالمهاترات والمزايدات لا يمكن أن يعبر بحال عن صحيح الدين أو عما يمكن أن يحمله هذا الدين للبشرية.

نحن إذًا نتحدث عن عملية التجديد الحقيقية لا عملية مغتصبة من جملة ما اُغتصب، يلعب الدور الأقبح في ذلك هؤلاء الذين إلى دائرة علماء السلطان ينفذون كلام الجهة والساقطين الذين لا يملكون أي أهلية إلا بكونهم اغتصبوا السلطة وتجرؤوا وفق ممارسات استهانتهم بمقام الدين.

من هنا قدم أستاذنا الدكتور عبد الوهاب المسيري رؤية نقدية عالية المستوى ليس فقط للفكر الغربي، ولكن أيضًا للواقع الإسلامي، واستطاع من خلال الناظم الإسلامي أن يؤسس لمعالم خطاب إسلامي جديد يتجدد وفق حاجات الأمة وضروراتها وفقه النهوض الذي يتعلق بكيانها.

وغاية الأمر أن نعضد من يؤكد أن ما قدمه المسيري ليس نقدًا سطحيًا من موقع خارج منظومة الفكر الغربي بل هو تحليل متعمق في قلب الظاهرة، فالتقدم والتغيير لا يكون باللحاق بالغرب فهذه التبعية هي نفسها مصدر قتل الإبداع لأنه إذا كان المطلوب اللحاق بالغرب فمعنى ذلك أنك لا تبدع وإنما تقلد، وهذا ما دعاه إلى تسمية جيل النهضة بأنه كان جيلًا مقلدًا، حيث تحول التأليف إلى ترجمة، وأصبح الذي يجيد لغة أجنبية مؤلفًا بغض النظر عن مقدرته الإبداعية، فيركز على أن يفهم فقهاء الأمة طبيعة هذه الحداثة الغربية، ويدركوا أنها ليس فيها مطلق، أنها نسبية، وأنها في نهاية الأمر تفتت الإنسان وتحوله إلى مادة استعمالية.

الحاجة عند المسيري تحتاج إلى رؤية توّلد من رحم الإسلام خطابًا حديثًا يتناسب مع الوضع الراهن ومقتضيات العصر، وهي ليست مسألة معقدة، ولكن الحركة العلمانية دائمًا تحاول إنكار التطورات التي حدثت للخطاب الإسلامي، فإذا تطور الخطاب الديني يجب الاعتراف بذلك والتعاون معه، لأن الهدف هو مصلحة هذا الوطن وهذه الأمة، فمن يحمل لواء المقاومة والثورة الآن هم الإسلاميون، في فلسطين والعراق ومصر وفي كل العالم العربي والإسلامي، ولكن ذلك يعني أيضًا أن قسمًا كبيرًا من الأرض التي كانت تحتلها التيارات العلمانية والماركسية أصبحت الآن تحت سيطرة الإسلاميين وهو ما يغضب هذه التيارات، لذا يوجه المسيري دعوة للعلمانيين والماركسيين للتحلي بالموضوعية وأن يعترفوا بالتطور الذي حدث. كما يركز المسيري على أن المعرفة أساس للتجديد فسبب الفشل العربي في مواجهة المشروع الصهيوني حتى الآن هو قلة معرفتنا بعدونا فالمعرفة شرط لمن أراد دخول المعركة.

وبالنهاية يدعو المسيري إلى إقامة نسق فكري عربي إسلامي يقوم على الثنائية والتجاور والإنسان الروحاني الديني الرباني مقابل الإرث الغربي المادي الطبيعي الجسدي. فهو المفكر الجريء بانتقاد حركة الاستنارة العقلية المادية المتطرفة وما قادت إليه الغرب، والعالم وراءه، من ضياع وصراعات وانتكاس في الغايات والممارسات، وانسداد في أفق المعرفة والمصير الإنساني إلى درجة القول بأن منطق الاستنارة المضيئة والتنوير المشرق يقود الإنسانية بالضرورة إلى الاستنارة المظلمة والتنوير الظلامي وهذا ما يتضح في كتاب المسيري “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة”.

الإسلامي لا بد أن يكون إنسانيًا، والإنساني المرتبط بالفطرة يجب أن يكون متضمنًا إسلاميًا، إنها القاعدة الذهبية التي آمن بها الدكتور المسيري، حينما أكد على إنسانية الإسلام والإسلامي، وأن رحلته الفكرية والمعرفية كانت محاولة للبحث عن الإنسان، ذلك أن الوصف الأدق لرحلته هو وصف “رحلة البحث عن الحقيقة”، فرغم التحولات التي مر بها، فإن مكونات رؤيته وعناصرها الأساسية لم تتغير، رغم تغير بعض الأسس الفلسفية، ورغم تغير المنهج، فجوهر رؤيته للعالم أن الإنسان كائن فريد وليس كائنًا ماديًا، وأن المساواة بين البشر مسألة ضرورية.

الإنسان بلا شك يعيش في عالم المادة وجزء منها، لكنه جزء يتجزأ وليس جزءًا لا يتجزأ منها، لأن فيه ما يجعله يتجاوز السقف المادي. هذه الرؤية كانت تترجم نفسها إلى الإيمان بضرورة المساواة بين البشر، وأن العدل من ثم قيمة أخلاقية أساسية. هذه الرؤية الأساسية هي الخيط الناظم في كل ما يكتب، وفي تطور حياته الفكرية، حسب تعبير المسيري نفسه. حتى ذهب البعض إلى العامل الإنساني أو “المشترك الإنساني” هو مفتاح العالم النقدي المسيري.

ووفقًا لهذه السمات التي أشار إليها الدكتور المسيري بخصوص الخطاب الإسلامي الجديد والتي تشكل رصدًا لأهم مفاصل ومعالم هذا الخطاب الإسلامي الجديد كما يحدده، جاعلًا إياه متمحورًا حول مواجهة مشروع الحداثة الغربية، وهو أمر قد يتفق فيه ومعه الكثيرون باعتبار أن العلاقة مع الغرب كانت من أهم العوامل الداعية إلى صياغة خطاب إسلامي جديد ولكن من المهم أن نؤكد أن دواعي هذا الخطاب لا تنحصر في هذا الداعي الأوحد، ولكن قد يتجدد هذا الخطاب لاعتبارات تتعلق بمفاصل النهضة الداخلية وشروطها التي تسهم في تحقيقها على أرض الواقع، ذلك أن عملية البناء لهذه التصورات النهضوية قد ترتبط بدواعي الضرورات والحاجات لهذا الواقع الذي يفرض قضايا بعينها تشكل لبنات في عملية النهوض الحضاري، ذلك أنه بالإمكان أن تُستثمر كل الإمكانات الذاتية في عملية النهوض وفي إطار خطاب بنّاء يحفز طاقات الأمة الداخلية والذاتية والمتمثلة في قدراتها النابعة بحيث يشكل كل ذلك قاعدة لانطلاق هذا المشروع الحضاري ضمن خطاب إسلامي متجدد.

الأمر هنا قد يلفتنا ورغم اهتمام أستاذنا بهذا الجانب البنائي في تأسيس النهضة ضمن الرؤية الإسلامية إلا أن البعض قد يتوقف عند حد المنهاجية الدفاعية التي تقوم على قاعدة مواجهة الحداثة الغربية والتعامل معها، وغاية الأمر أنه من الضروري الجمع بين تلك الرؤية الدفاعية والرؤية النقدية وكذلك الرؤية البنائية المستقبلية.

وحجتنا في ذلك أن هؤلاء الذين عُنوا بالخطاب الإسلامي الجديد وصياغته قد اختلفوا في زوايا النظر، ومجهر الاهتمام، وقدموا في مجموعهم رؤية إذا ما أُحسن صياغتها أن تقدم معالم رؤية إستراتيجية لخطاب إسلامي جديد يُعنى بالمواجهة كما يُعنى بعملية البناء، وإن الرؤية في خطاب ذلك التوجه من مثل ما قدمه مالك بن نبي، وطارق البشري، والسنهوري، وتوفيق الشاوي، ومحمد سليم العوا، ومحمد عمارة، وعلي شريعتي، وأستاذنا المرحوم حامد ربيع وأستاذتنا منى أبو الفضل وأستاذتنا نادية مصطفى وغير هؤلاء كثير، قد شكلوا باجتهاداتهم معالم صياغة جديدة للخطاب الإسلامي وفق زوايا اهتمامهم واختلاف ملكاتهم، وكذلك تنوع اختصاصاتهم من دون أن يعني ذلك أن هذه الرؤى تقع ضمن معمار لتوجه ومسار يشكل جوهر ومدار ذلك الخطاب، ومن هنا كان تنويهنا إلى أن الخطاب الإسلامي ضمن هذا النهج إنما يشكل رحمًا بين أهله ودعاته.