نشر في مصر العربية؛ الأحد 21 فبراير 2016

..

حول مبدأ المواطنة تُثار أسئلة وإشكاليات عميقة أهمها ينبع من متطلبات تفريد الولاء للوطن وتقديمه على ما سواه من الهويات والانتماءات الفرعية، وفي مواجهة التقاطع الذي قد يحصل بين الانتماءات المتناظرة للأفراد تحت مظلة الوطن الواحد، فإن منهج النظر الإسلامي قد أوجد حالة من التناغم والتوازن الخلاق بين منعرجات خريطة الانتماءات المتناظرة تلك.

وبلغت الرؤية الإسلامية – في حقوق المواطنة ومحدداتها – آفاقًا راسخة متجددة، غير أننا بالمقابل لم نشهد خطابًا إسلاميًا معاصرًا يتبنى المواطنة في عمق التنظير القيمي للدولة وللمجتمع السياسي الحديث، أو بالمعنى الذي ينصرف إلى العلاقة الأكيدة والسوية بين المجتمع والدولة، لذا توجب علينا في هذا المقام التحري عن ملامح المواطنة واستخلاص الأبعاد والملامح الحقيقية لها وتجذير الوعي بأهميتها بالاستناد إلى قيم الإسلام وتجربته التاريخية في ظل الدولة التي أقامها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بوصفها المرجعية الشرعية والتاريخية التي ينبغي على المسلمين وغيرهم الاحتكام إليها في ضبط الحدود المعيارية لمبدأ المواطنة ومعالجة ما يواجهه من إشكاليات وتحديات عبر اعتماد آليات ووصفات إسلامية تنسجم مع روح العصر.

إن هذا الأمر إنما يشير إلى الإشكال الحيوي الذي يرتبط بالعلاقة بين المواطنة والدين، وبين المواطنة ودوائر الانتماء، وبين المواطنة وعلاقتها بالسياسي والمدني، وبين المواطنة وعلاقتها بمسالك ومداخل التنشئة السياسية والأطر والسياقات الغربية التي تنظر إلى مفهوم المواطنة باعتباره مفهومَ منظومةٍ في ذاته وضمن منظومة تتعاضد معه وتشكل مساراته.

وفي هذا المقام وجب علينا أن نحدد لهذا المفهوم في مبناه معنى نحاول أن نتلمس بعض مرئياته ضمن رؤية إسلامية متميزة، ولكن في إطار سياق إنساني وحضاري يعتمد الدولة القومية كوحدة تأسيس في العلاقة بين الدول بعضها البعض.

ومن هنا وجب أن يكون الموقف في هذا المقام يعبر عن حقائق عدة نحاول من خلالها أن نوضح الموقف الأساس من عملية فض اشتباك على نحو منهاجي يؤصل لمضمون مفهوم المواطنة في الذاكرة الحضارية الإسلامية، ويمد ذلك إلى إطار لتفعيله في سياقات الدولة القومية وما يتطلبه ذلك من إمكانات اجتهادية وتجديدية.

وسنخرج بذلك من أسر ثلاثة أمور:

  • الأسر الأول: هو ذلك الذي يتعلق بطبيعة الجهاز المفاهيمي الغربي وافتراضاته.
  • الأسر الثاني: الذي يرتبط بالفقه التقليدي في مضامينه الذي يتعلق بأزمانه الخاصة.
  • الأسر الثالث: فيتعلق بإمكانية تفعيل وتشغيل مفهوم المواطنة في سياق رؤية إسلامية واعية لا تغادر المفهومات الحديثة وتؤصل معاني التفعيل الإسلامي من خلال صبغ هذه الرؤى من مداخل مقاصدية تستطيع أن تستوعب معطيات التغير وأصول المرجعية.

إن ذلك يعني القيام بعمل مركب وبموقف يتصل بمناقشة طبيعة هذه الإشكالات على نحو منهاجي ومنظومي ودينامي حركي وتشغيلي، ومن هنا يجب التعرض إلى موضوعات شتى، لتكوين رؤية بصيرة لقضية المواطنة في دولة مسلمة.

ومن تحليل تلك النصوص التي وردت في “صحيفة المدينة” التي سُمّيت في مؤلفات كثيرة إسلامية عربية وأجنبية بل ومؤلفات استشراقية، يتضح أن الإسلام يعتبر الجماعة التي تُحكم بموجب أحكامه وحدة إنسانية بغض النظر عن طائفتها وجنسها، فليس في الإسلام ما يسمى بالأقليات، بل جميع الناس لهم الاعتبار الإنساني فقط ما داموا يحملون التابعية أو الجنسية، فكل من يحمل تابعية الدولة يتمتع بالحقوق التي قررها الشرع له سواء أكان مسلمًا أم غير مسلم.

ويطبق الإسلام على جميع الرعايا باعتباره قانونًا للجميع، فحين تُطبق أحكام المعاملات والعقوبات مثلًا، يُنظر إلى الناحية التشريعية القانونية، لا الناحية الروحية الدينية.

وهكذا عُدّت صحيفة المدينة أول وثيقة حقوقية نظمت العلاقة العضوية بين أفراد الجماعة السياسية وضمنت الحقوق والواجبات على أرضية التعددية الدينية والعرقية، وأنها عقد مواطنة متقدم على عصره بين رأس الدولة ومن معه من المسلمين، وبين سكان المدينة من أهلها الذين لم يدخلوا الإسلام بعد.

ويمكننا الحديث في هذا السياق بما آلت إليه أوضاع الولاية العامة في زماننا هذا، فكتب الفقه المتخصصة بالأحكام السلطانية عندما تكلمت عن الإمارة وعن الوزير إنما تكلمت عن فرد، ولذلك كانت تضع شروطًا لتولي الولاية على اعتبار أن من يمارس هذه الولاية هو فرد.

من الواضح أننا في زماننا استبدلنا بولاية الفرد ولاية الهيئة وصارت الهيئات هي التي تقوم مقام الأفراد في إنفاذ الولاية، وطالما أن الهيئة هي التي تملك الولاية فإن من الممكن أن يشارك فيها آخرون من غير المسلمين مع توافر ضوابط ثلاثة هي: أولًا: أن تكون الهيئة مسلمة وهذا يعني أن تكون مرجعيتها هي الشريعة الإسلامية. ثانيًا: أن تكون غالبية أعضاء الهيئة مسلمين. ثالثًا: أن تحقق الصالح الإسلامي العام، أي صالح الجماعة الوطنية، وفقًا للضوابط المحددة لكلمة المصلحة عند الأصوليين.

ويمكن أن يُؤصَّل لهذه الرؤية الاستراتيجية للمواطنة، ونظن أن ذلك يستأهل مشروعًا بحثيًا متكاملًا تتكامل فيه التخصصات المختلفة من القانون والسياسة والإدارة والاجتماع وعلوم النفس والتربية وكذلك الفلسفة، وعلوم التنظيم والتنمية المستدامة بمفهومها الشامل، إنما تشكل رؤية واضحة للإجابة على الإشكالات والتحديات التي تتعلق بموضوع المواطنة فضلًا عن اقتراح آليات للتفعيل والتشغيل في هذا المقام. هذه الرؤية الاستراتيجية الشاملة إنما تمثل واحدًا من أهم واجبات الوقت في هذه الآونة بما تستدعيه وينضاف إلى مسار المواطنة من إشكالات أضافتها الثورات العربية التي فجرت تحديات جديدة بصدد المواطنة، بل ومفهوم السياسة ذاته وكافة العمليات السياسية.

وهذه مؤشرات كلية في الكيفية التي يهتم بها المشروع الإسلامي الكبير في الاجتهاد في منطقة المواطنة التي تستحق عملًا دؤوبًا يعالج إشكالياتها النظرية والواقعية، بما يتيح تفعيل منظومة الجماعة الوطنية والحكم الرشيد، لتكون لهذه الاجتهادات قدرة واعية وواعدة في الممارسة والتطبيق، إنها نماذج ضمن هذا المشروع الكبير، وكلما كان التجديد رصينًا يملك قابليات التفعيل والتشغيل، ظل هذا المشروع عظيمًا في قدراته وإمكانياته، فياضًا في ثراء عطاءاته.