نشر في موقع حوارات الشريعة والقانون بتاريخ 7 فبراير/شباط 2026
يُمثل كتاب “في المنظور الحضاري الإسلامي: رؤى منهاجية وقضايا أساسية”، (الصادر عن دار “تاسك” بالولايات المتحدة الأمريكية عام 2025م)، ضمن مشروع “وقف القلم” للأستاذ الدكتور سيف الدين عبد الفتاح*، محاولة جادة لهندسة الوعي المسلم المعاصر. ومن الأهمية بمكان الإشارة ابتداءً إلى أن هذا العمل ليس كتابًا تقليديًا متصل الفصول تم تأليفه دفعة واحدة، بل هو في جوهره مجموعة من البحوث والدراسات المستقلة التي كتبها المؤلف في فترات وسياقات مختلفة، لكنها انتظمت جميعًا في خيط ناظم واحد هو “الهمّ الحضاري” والبحث عن “المنظور” حيث يعالج كل فصل إشكالية محددة بعمق، ويجمعها جميعًا إطار كلي يوضح أسس المنظور الحضاري الإسلامي.
وفي تقديمه للكتاب يرى د. سيف الدين عبد الفتاح أن المنظور الحضاري ينطلق من إطار مرجعي قيمي ومنهج موضوعي يهدف إلى تقديم حلول واقعية لمشكلات الإنسان، متجاوزًا المحلية إلى العالمية. ولتحقيق ذلك، يرى أن على الأمة الارتقاء بوعيها وأدواتها المعرفية لتواكب “عصر العالمية”، معتبرًا أن ما تمر به الأمة حاليًا من ضعف ليس إلا مرحلة مخاض وإنضاج للوعي استعدادًا لدورة نهضوية جديدة.
كما أكد د. سيف على ضرورة تأسيس “علم سياسة إسلامي” للتحرر من هيمنة المنظور الغربي. ويبرز الفارق الجوهري بينهما؛ ففي المنظور الغربي: تُعرَّف السياسة بأنها “صراع”، وبأنها تقوم على مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة”. بينما في المنظور الإسلامي: تعرَّف السياسة بأنها “القيام على الأمر بما يصلحه” (الإصلاح والعمران)، وبأنها تقوم على مبدأ “الغاية تفرض الوسيلة” وتتقيد بالحق والعدل.
وأكد المؤلف على مركزية “بناء المفاهيم” فهي تعد حجر الزاوية في هذا المشروع، لأنها تشكل البنية الفكرية وتوجه السلوك والممارسة. لذا، تركز أبحاث الكتاب على تأصيل المفاهيم ووضع أطر منهجية وتفسيرية لها (مثل الاجتهاد الحضاري، المقاصد، والسُنن) كخطوة أولى نحو التغيير والإصلاح. وأوضح أن هذه الدراسات تندرج ضمن “مدرسة المنظور الحضاري الإسلامي” التي أسسها الدكتور حامد عبد الله ربيع، والتي يواصل جيلها الثالث (ومنهم المؤلف) مراكمة الجهود لاستكمال بنيانها المعرفي.
مقدمة أساسية حول عملية بناء المفاهيم
استهل الكتاب بمقدمة نظرية عميقة تؤسس لمركزية “المفهوم” في العملية المعرفية، حيث طرح د. سيف عبد الفتاح رؤية مفادها أن عملية “بناء المفاهيم” ليست مجرد ترفٍ أكاديمي أو عملية منعزلة تقتصر على صياغة “مفاهيم إسلامية أصيلة”، بل هي مشروع حضاري معقد وشائك يمس صميم الهوية والوجود الثقافي للأمة. ونظر د. سيف إلى المفاهيم كمنظومة مترابطة ومنسجمة تشبه البنيان، حيث لا يمكن التعامل معها ككتلة صماء واحدة، بل يجب التمييز بين مستوياتها المتعددة (المفاهيم القاعدية، المحورية، الإطارية، مفاهيم الوسائل والمقاصد، وغيرها). ولضبط هذه العملية، طرح منهجية دقيقة تتكون من إحدى عشرة قاعدة أو خطوة تأسيسية، تبدأ بتحديد “نسب المفهوم” وتصنيفه، ثم تحديد المقاصد من بنائه، والبحث في هويته ومرجعيته وتطوره التاريخي. وتستمر المنهجية بدراسة الوضع الراهن للمفهوم (خاصة “المفاهيم الرحّالة” التي تنتقل عبر الزمان والمكان)، لتصل إلى مرحلة اتخاذ موقف نقدي واعي (قبولًا أو رفضًا أو تعديلًا)، ثم الشروع في “إعادة البناء” وفق قواعد منضبطة. وشدد على ضرورة التعامل الحذر والذكي مع المفاهيم الوافدة من الحضارة الغربية، رافضًا منطق القبول المطلق أو الرفض المطلق، وداعيًا إلى “إفادة” واعية تميز بين الغث والسمين. وفي ذروة طرحه، دعا المؤلف إلى تأسيس علم جديد يسميه “هندسة المفاهيم” أو “العمارة المفاهيمية” ضمن أصول الفقه الحضاري، يهدف إلى ترتيب الأولويات المفاهيمية وفق سلم (الضروريات والحاجيات والتحسينيات)، لضمان أن يكون البناء المعرفي للأمة متماسكًا ومعبرًا عن هويتها المستقلة، بعيدًا عن التبعية العمياء أو الانغلاق غير المبرر.
بناء المفاهيم الإسلامية: ضرورة منهاجية
انتقل د. سيف من التنظير العام للمفاهيم إلى خصوصية “المفهوم الإسلامي”، معتبرًا أن قضية “بناء المفاهيم الإسلامية” ضرورة منهجية ملحة، لا مجرد ترف فكري، وذلك لمواجهة الهيمنة المعرفية للمفاهيم الغربية التي تسعى لتنحية المرجعية الإسلامية وتشويه وعي الأمة، وبدأ بتشخيص الواقع، مشيرًا إلى أن المفاهيم الغربية تُقدم كبدائل جاهزة ومفصلة، بينما تعاني المفاهيم الإسلامية من التبعثر والجزئية؛ مما يدفع الباحثين الإسلاميين إما إلى التقليد (قياس المفاهيم الإسلامية على الغربية) أو الرفض العاجز (دون تقديم بديل). وانتقل بعد ذلك لنقد أربع محاولات توفيقية أو تلفيقية سعت للتعامل مع هذا المأزق:
- محاولة المؤشرات الإجرائية: التي تحاول اختزال السلوك الإسلامي (الذي هو إيمان وعمل) في مؤشرات كمية مادية لا تعبر عن حقيقة التدين.
- محاولة التجديد اللغوي: التي تخلط بين المصطلحات القابلة للتغيير والحقائق الشرعية الثابتة.
- محاولة “منطقة العفو”: التي تتعامل معها كفراغ تشريعي يمكن ملؤه بأي وافد، بينما هي منطقة رحمة منضبطة بالمقاصد.
- محاولة “التحيل”: التي تفرغ المفهوم من مضمونه مع الإبقاء على شكله لتمرير أجندات مغايرة (مثل تبرير الاستبداد).
وفي هذا القسم طرح د. سيف مقترحًا لبناء المفاهيم الإسلامية يستند إلى خمس ركائز: العقيدة كأساس يضبط الحركة، الوعي النقدي لمواجهة التقليد، اللغة كأداة بيان دقيقة (تحاشي الألفاظ الموهمة)، الوحي (الكتاب والسنة) كمصدر تأسيسي، والخبرة التاريخية التي يجب تقويمها بمعيار المبادئ الثابتة لا العكس. وينتهي بجملة توصيات تؤكد على ضرورة بناء “منظومة مفاهيمية متساندة”، وضبط المصطلحات (كاستخدام “الإصلاح” بدل “الثورة”)، وتحقيق المناط للمفاهيم المتشابهة (كالشورى والديمقراطية) لضمان الاستقلال المعرفي والحضاري للأمة.
مفهوم الشرعية
عالج الكتاب قضية “الشرعية” (Legitimacy) كقضية مفصلية في الفكر السياسي الإسلامي، حيث فكك د. سيف هذا المفهوم ليعيد تركيبه بعيدًا عن المنظور الوضعي الضيق. ربط الكاتب بين مصطلح “الشرعية” وجذره اللغوي والاصطلاحي “الشريعة”، مؤكدًا أن الشرعية السياسية في الإسلام لا تنفك عن الالتزام بالمرجعية العليا (الشريعة) وعن رضا المحكومين (الشورى والبيعة). وفي هذا القسم نَقد المؤلف النظم التي تفصل بين الأخلاق والسياسة، وقدم طرحًا يرى أن الحاكم يستمد شرعيته من مدى تحقيقه للعدل ومقاصد الدين، وليس من مجرد التغلب أو القوة المادية، مما يجعل “الشرعية” مفهومًا مركبًا يجمع بين الرضا الشعبي والالتزام المبدئي القيمي.
العملية الاجتهادية وأصول الفقه الحضاري: دراسة في سياقات المدخل المقاصدي
مثل هذا القسم قلب المشروع التجديدي في الكتاب، حيث دعا د. سيف إلى توسيع دائرة الاجتهاد الفقهي ليتجاوز الفتاوى الجزئية الفردية إلى ما أسماه “الفقه الحضاري” أو “فقه العمران”، وشرح كيف يمكن توظيف “مقاصد الشريعة” (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، المال) كأطر كلية لتوجيه حركة المجتمع والدولة لا مجرد حماية حقوق الأفراد. وطرح د. سيف فكرة أن الاجتهاد الحضاري يتطلب “فقهًا للواقع” يوازي “فقه النص”، مما يستدعي من الفقيه والمفكر إدراكًا عميقًا للسنن الاجتماعية والتحديات العالمية، ليكون الفقه قادرًا على صناعة الحضارة وليس مجرد رد فعل على النوازل.
مقاصد ومعايير التنمية: رؤية تأصيلية من المنظور المقاصدي (1)
في الجزء الأول من تناول قضية التنمية، قدم الكتاب نقدًا جذريًا لمفهوم التنمية الغربي الذي يركز غالبًا على المؤشرات الاقتصادية المادية (النمو، الدخل القومي) ويهمل الأبعاد الإنسانية والروحية. وطرح د. سيف بديلًا ينطلق من الرؤية المقاصدية، حيث تُعرّف التنمية بأنها عملية “عمارة الأرض” التي استخلف الله فيها الإنسان. ركز هذا القسم على تأصيل مفهوم “الحياة الطيبة” كغاية للتنمية الإسلامية، والتي تجمع بين الكفاية المادية والسكينة الروحية، مستدعيًا نصوصًا قرآنية ونماذج تراثية تؤكد أن التنمية في الإسلام عملية شاملة لا تقبل التجزئة بين المادي والقيمي.
مقاصد ومعايير التنمية: رؤية تأصيلية من المنظور المقاصدي (2)
استكمل هذا القسم ما بُدأ في القسم السابق، ولكنه يغوص أكثر في التفاصيل الإجرائية والمعايير. وناقش الكتاب هنا كيف تتحول المقاصد الخمسة إلى “مؤشرات تنموية”؛ فمثلًا، حفظ النفس لا يعني فقط منع القتل، بل يشمل الرعاية الصحية وتوفير الغذاء والأمن (التنمية البشرية)، وحفظ العقل يشمل التعليم والبحث العلمي، وحفظ المال يشمل التنمية الاقتصادية والعدالة في التوزيع. ربط د. سيف بين أفكار ابن خلدون في العمران وبين نظريات التنمية المعاصرة، ليقدم نموذجًا تنمويًا يرى أن “العدل هو أساس العمران”، وأن الظلم (السياسي أو الاقتصادي) هو المؤذن بخراب العمران وانهيار التنمية.
العلاقة بين الديني والمدني والسياسي: مقدمات منهجية
خاض الكتاب في مساحة شائكة تتعلق بجدلية “الديني والسياسي”، حيث رفض د. سيف الثنائيات الحادة (دولة دينية ثيوقراطية مقابل دولة علمانية لا دينية). وقدم العرض هنا طرحًا منهجيًا يميز بين “المقدس” (الوحي) و”البشري” (الاجتهاد والممارسة السياسية)، مؤكدًا أن المجال السياسي في الإسلام هو مجال “مدني” بامتياز، يخضع للاجتهاد البشري والمصلحة المرسلة، ولكنه يعمل داخل “إطار مرجعي قيمي” يحدده الدين. وضح د. سيف أن “المدنية” في الإسلام لا تعني إقصاء الدين، بل تعني تحويل قيم الدين إلى موجهات للسلوك المدني والسياسي، مما يؤسس لمجتمع مدني فاعل ومسؤول.
المنهجية الإسلاميّة: سباعية القيم كإطارٍ مرجعي
قدم د. سيف في هذا القسم إطارًا تحليليًا مبتكرًا يعتمد على ما يسميه “المنظومة القيمية” أو سباعية القيم (العقيدة الدافعة: تمثل الأساس والدافع النفسي والسلوكي (التوحيد والتزكية). والشرعة الرافعة: القواعد والأحكام التي ترفع الإنسان وتنظم حياته. والأصول الحاكمة: قيم حاكمة مثل العدل، الشورى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والأمة الجامعة: تعزيز الوحدة، الخيرية، والشهود الحضاري. والحضارة الفاعلة: التركيز على الحضور والفاعلية في البناء والعمران وليس الوجود الشكلي. والسنن القاضية: القوانين الإلهية في الكون والنفس والتاريخ (سنن التغيير). والمقاصد الحافظة: حفظ المقاصد الشرعية (الدين، النفس، العقل، النسل، المال) كغايات للفعل الاجتماعي). وشرح المؤلف كيف أن هذه القيم ليست مجرد شعارات أخلاقية، بل هي “أدوات منهجية” و”مفاهيم حاكمة” يمكن من خلالها تحليل الظواهر الاجتماعية والسياسية؛ ما يجعل هذه القيم تشكل شبكة مترابطة توجه العقل المسلم في فهم العالم والتعامل معه.
المنهجية الإسلامية: المقومات وأطر التحليل وقواعد التفسير
انتقل الكتاب هنا إلى البعد الفني في المنهجية، حيث فصَّل د. سيف في الأدوات التي يستخدمها الباحث المسلم في التحليل والتفسير. وتناول المؤلف قواعد التفسير التي تربط الظواهر بأسبابها المباشرة وغير المباشرة، مع استحضار البعد الغيبي والسنني. وركز على بيان أن المنهجية الإسلامية منهجية “كلية” و”توحيدية” ترفض التفسيرات الأحادية (مثل التفسير المادي البحت للتاريخ)، وتتبنى تفسيرًا مركبًا يأخذ في الاعتبار العوامل النفسية والاجتماعية والعقدية والاقتصادية في آن واحد، مما يوفر قدرة تفسيرية أعلى للظواهر الإنسانية المعقدة.
المنهجية الإسلامية: المدخل السنني وأنماط التفكير
خصص د. سيف مساحة واسعة للحديث عن “المدخل السنني”، وهو النظر في سنن الله في الآفاق والأنفس. وشرح في هذا القسم كيف أن القرآن الكريم وجه الأنظار إلى وجود قوانين صارمة تحكم حركة التاريخ وصعود وسقوط الحضارات (سنن التغيير، سنن التداول، سنن الإهلاك). ودعا إلى تحويل هذه السنن من مجرد مواعظ إلى “قوانين علمية” و”أنماط تفكير” تحكم العقل المسلم، بحيث يصبح التخطيط للمستقبل قائمًا على فهم هذه السنن واحترام أسبابها ومسبباتها؛ مما يخرج العقل المسلم من دائرة التواكل أو العشوائية إلى دائرة الفعل الحضاري المنظم.
المنهجية الإسلامية: مقدمات التفكير ومقومات المنهج
أعاد هذا القسم التأكيد على الأسس التي يقوم عليها التفكير المنهجي السليم. وتناول د. سيف شروط التفكير القويم مثل: الموضوعية (بالمفهوم الإسلامي وليس الحياد السلبي)، والشمول، والواقعية. وناقش فيه “فقه الموازنات” و”فقه الأولويات” كجزء من مقومات المنهج، حيث لا يكفي معرفة الحق من الباطل، بل لا بد من معرفة خير الخيرين وشر الشرين عند التزاحم. وركز العرض على أن بناء المنهج يتطلب عقلًا نقديًا قادرًا على التمييز والفرز، وقادرًا على التعامل مع التراث بوعي ومع المعاصرة بذكاء.
الإطار المنهجي: بين الإمكانات الغربية المتاحة والمنهاجية الأصيلة والبديلة
في هذا القسم المقارن، أقام د. سيف جسرًا نقديًا مع المناهج الغربية (الوضعية، السلوكية، البنيوية)، حيث رفض الكتاب الرفض المطلق للناتج المعرفي الغربي، كما رفض القبول الأعمى له. بدلًا من ذلك، وطرح منهجية “التعامل النقدي”؛ الاستفادة من الأدوات والتقنيات (الإحصاء، طرق جمع المعلومات) التي طورتها العلوم الغربية، مع رفض الفلسفات المادية الكامنة وراءها. ودعا د. سيف إلى صياغة “منهاجية أصيلة وبديلة” تنبع من الذات الحضارية الإسلامية، وتكون قادرة على تقديم إجابات وحلول لم تعجز المناهج الغربية عن تقديمها، خاصة في الجوانب الروحية والقيمية.
المنهجية الإسلامية التطبيقات ونماذج التشغيل
انتقل الكتاب من التنظير الفلسفي إلى الممارسة العملية، حيث استعرض نماذج لتطبيق هذه المنهجية في حقول معرفية مختلفة (كالعلوم السياسية، والاجتماع، والتربية). ووضح هذا القسم كيف يمكن تحويل “القيم” و”السنن” و”المقاصد” التي تم شرحها سابقًا إلى برامج عمل وسياسات عامة. وقدم د. سيف أمثلة لكيفية “تشغيل” المفاهيم الإسلامية في تحليل أزمات الواقع، مما يثبت أن المنظور الحضاري الإسلامي ليس يوتوبيا خيالية، بل هو منهج قابل للتطبيق والقياس إذا توفرت الإرادة والأدوات المعرفية اللازمة.
المدخل السُفُنِي وبناء علوم ونماذج وتوليد مناهج
اختتم الكتاب رؤيته بالتأكيد على أن الغاية النهائية لهذا المشروع الفكري هي “توليد العلوم” وبناء النماذج المعرفية انطلاقًا من الوحي وشرح د. سيف في هذا القسم الأخير كيف يمكن لـ “المدخل السفني” أن يكون أساسًا لثورة علمية تعيد صياغة العلوم الاجتماعية. واستلهم د. سيف هذا المدخل من حديث “المَثَل” النبوي (مثل القائم على حدود الله…)، ليعيد صياغته كنموذج إرشادي (Paradigm) في علم الاجتماع والسياسة، قائمًا على فكرة “المصير المشترك” و”المسؤولية التضامنية”. لا يقف المدخل عند الوعظ، بل يتحول إلى أدوات تحليلية دقيقة؛ فهو في “تحليل الأسرة” يشخص “تذرير” العلاقات وتآكل الروابط، طارحًا “ثقافة السفينة” كبديل يعزز التماسك والتربية على المسؤولية. وهو في “الاجتماع السياسي” يفكك ثنائية (الحرية/الفوضى) عبر مفهوم “حدود الله” التي تحفظ سلامة الهيكل الاجتماعي. وطرح المؤلف هذا المدخل كقاعدة لبناء “فقه العمران” الذي يشمل “فقه الأزمة والإنقاذ” و”فقه البوصلة”، داعيًا إلى تأسيس مراكز أبحاث متخصصة (مراكز دراسات السفينة) تعمل على تحويل هذه القيم إلى سياسات عملية وبرامج تربوية، وبذلك يثبت أن السنة النبوية تملك طاقة تفسيرية هائلة قادرة على إنتاج علوم اجتماعية إسلامية تتجاوز القصور في المناهج الوضعية وتعالج أزمات الواقع بفاعلية.
في الختام؛ يُبلور كتاب “في المنظور الحضاري الإسلامي” أطروحة إبستمولوجية (معرفية) متكاملة تسعى لإعادة هندسة “العقل المسلم” وتحريره من الهيمنة المعرفية للنماذج الغربية، وذلك عبر تأسيس نسق منهجي ينطلق من فرضية علمية مؤداها أن الأزمة الحضارية للأمة هي في جوهرها أزمة “مفاهيم” و”مناهج نظر” قبل أن تكون أزمة موارد أو سياسات؛ حيث بدأ المشروع بـ “تفكيك” البنية المفاهيمية الوافدة و”إعادة تركيب” المفاهيم الإسلامية (كالشرعية، والتنمية، والمدنية) استنادًا إلى ثنائية “التأصيل من الوحي” و”التنزيل على الواقع”، مرورًا بتوسيع نطاق “النظر المقاصدي” ليتجاوز الفقه الفردي إلى “فقه العمران” الذي يجعل من مقاصد الشريعة معايير حاكمة لقياس الرشد السياسي والكفاءة التنموية، وتوظيف “المدخل السنني” و”المدخل السفني” لتحويل القيم الأخلاقية المجردة إلى قوانين اجتماعية صارمة (سنن التغيير والاستبدال) تفسر حركة التاريخ وتضبط التوقعات المستقبلية، ليخلص العمل في نهايته إلى أن الخروج من التيه الحضاري لا يتحقق إلا بـ “توليد علوم” اجتماعية وإنسانية جديدة تنبع من الذاتية الإسلامية، وتمتلك القدرة التفسيرية والتشغيلية لحل معضلات الإنسان المعاصر بعيدًا عن الثنائيات الحدية المادية، محققة بذلك مفهوم “الحياة الطيبة” كنموذج إسلامي فريد للتنمية والرفاه.
فهرس موضوعات الكتاب
تقديم
مقدمة أساسية حول عملية بناء المفاهيم.
بناء المفاهيم الإسلامية: ضرورة منهاجية.
مفهوم الشرعية
العملية الاجتهادية وأصول الفقه الحضاري: دراسة في سياقات المدخل المقاصدي
مقاصد ومعايير التنمية: رؤية تأصيلية من المنظور المقاصدي (1)
مقاصد ومعايير التنمية: رؤية تأصيلية من المنظور المقاصدي (1)
مقاصد ومعايير التنمية
رؤية تأصيلية من المنظور المقاصدي (2)
العلاقة بين الديني والمدني والسياسي: مقدمات منهجية
المنهجية الإسلاميّة: سباعية القيم كإطارٍ مرجعي
المنهجية الإسلامية: المقومات وأطر التحليل وقواعد التفسير
المنهجية الإسلامية المدخل السنني وأنماط التفكير
المنهجية الإسلامية: مقدمات التفكير ومقومات المنهج
الإطار المنهجي: بين الإمكانات الغربية المتاحة والمنهاجية الأصيلة والبديلة
المنهجية الإسلامية التطبيقات ونماذج التشغيل
المدخل السفني وبناء علوم ونماذج وتوليد مناهج
* يُعد الأستاذ الدكتور سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل -المولود عام 1954- أحد أبرز أساطين العلوم السياسية في العالم العربي، وهو أستاذ النظرية السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة سابقًا. وعُرف بكونه أحد مؤسسي ومنظري “مدرسة المنظور الحضاري الإسلامي” في العلوم الاجتماعية وأحد أنجب تلامذة رائدها الأكبر د. حامد عبد الله ربيع؛ حيث كرّس مشروعه الفكري لإعادة بناء المفاهيم السياسية من داخل التراث الإسلامي وربطها بالواقع المعاصر، متجاوزًا أطر التقليد الغربي. شغل الدكتور سيف الدين عبد الفتاح مواقع أكاديمية وإدارية رفيعة، منها إدارته لمركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة، وعمله مستشارًا أكاديميًا للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، حيث أشرف على مشاريع معرفية ضخمة مثل موسوعة “بناء المفاهيم” وشارك في مشروع العلاقات الدولية في الإسلام”. كما أسهم في تأسيس وإدارة العديد من المؤسسات البحثية الهامة؛ مثل مركز الحضارة للدراسات السياسية، ويتميز إنتاجه العلمي بالجمع بين العمق الأصولي (التراثي) والصرامة المنهجية الحديثة.