لتحميل الدراسة اضغط هنا

إعداد: الأستاذ الدكتور/ سيف الدين عبد الفتاح

سنة النشر: 2005

الإطار العام: دراسة نقدية واستشرافية لواقع الجامعة المصرية وعلاقتها بتشكيل الهوية، قُدمت ضمن أعمال المؤتمر السنوي الثامن عشر للبحوث السياسية – جامعة القاهرة.

أولًا: الهوية مشروعًا متجددًا

يستهل الأستاذ سيف الدين دراسته بتفكيك مفهوم “الهوية”، رافضًا الرؤية الجامدة التي تتعامل معها كقالب صنمي، أو الرؤية السائلة التي تميعها. يطرح الأستاذ مفهومًا ديناميكيًا للهوية باعتبارها فيضًا متجددًا و مشروعًا تحت التأسيس لا يكتمل إنجازه نهائيًا، بل يحتاج إلى تجديد مستمر عبر الوعي والسعي. ويحذر من “سرطان الهوية” المتمثل في التنازع الداخلي الذي يؤدي إلى تآكل الذات.

ثانيًا: تشخيص الوجع الجامعي

بدلًا من الأدوات البحثية التقليدية، يعتمد الأستاذ منهجية المشاهد الجامعية، راصدًا لقطات واقعية كاشفة لتحولات “النص المجتمعي” داخل الجامعة، ومن أبرز هذه المشاهد:

  1. مشهد الجامعة السوق (القصعة): تحول الجامعة من محراب للعلم إلى “سوق” تحكمه قيم التجارة، وازدحام الكافيتريات على حساب المكتبات، وتداعي الجامعات الأجنبية والخاصة على “القصعة الجامعية” في ظل غياب الرؤية.
  2. مشهد الكتاب الجامعي: تحول الكتاب من قيمة معرفية إلى “سلعة” و”عبء” و”أداة امتحان”، مما أدى إلى إهانة العلم وظهور “الطالب الجاسوس” الذي يختزل العلم في ملازم.
  3. مشهد صدام الشعب (التغريب): رصد حالة “الشعوبية” الجديدة داخل الكلية الواحدة بين الدارسين باللغة العربية والدارسين بلغات أجنبية، مما يهدد اللسان العربي الذي هو وعاء الهوية.
  4. مشهد الأستاذ (مشروع مهاجر): تحول الأستاذ الجامعي إما إلى “مهاجر من المكان” (إلى الخارج) أو “مهاجر في المكان” (بالاغتراب النفسي)، نتيجة بيئة طاردة للكفاءات.

ثالثًا: أدب العالم والمتعلم

يعقد الأستاذ مقارنة مؤلمة بين التراث الحضاري الذي أسس لعلاقة “أدب” بين العالم (القدوة) والمتعلم (القدرة)، وبين الواقع الحالي الذي سادت فيه نماذج “الأستاذ التاجر” و”دكاترة السلطان” الذين يبررون الاستبداد، مما أدى إلى تخريج أجيال فاقدة للفاعلية ومصابة بـ “صناعة اللامبالاة”.

رابعًا: من الهوية إلى الهاوية

يرى الأستاذ أن الحياة الجامعية الحالية محكومة بصياغات “الهوى” لا “الهوية”، مما أحدث فجوة رهيبة تقود الجامعة نحو “الهاوية”. وينتقد بشدة سياسات التطوير التي تلهث وراء “الموضات العولمية” ومعايير الجودة الشكلية دون وجود محتوى حقيقي أو سياق مجتمعي وتربوي يدعمها.

خامسًا: المشروع المقترح (تأسيس الجامعات الحضارية)

تراكمًا على فكرة أستاذه الدكتور حامد ربيع، يطرح الأستاذ سيف الدين مشروع الجامعة الحضارية أو جامعة الهوية، مستلهمًا نموذج “الجامعة العبرية” التي سبقت قيام إسرائيل لتبني الهوية الصهيونية. ركائز الجامعة الحضارية المقترحة:

  • أن تكون جامعة للدراسات العليا والبحوث الاستراتيجية.
  • وظيفتها الأساسية: بناء وتعميق وإعادة تشكيل مفاهيم التعامل الحضاري، وحماية الذاكرة الحضارية، وتخريج النخبة القائدة.
  • تضم مراكز متخصصة مثل: مركز إحياء التراث، مركز دراسات المستقبل (علم التدبر)، ومركز إدارة العملية الحضارية.

سادسًا: الارتباط الجذري

يختتم الأستاذ دراسته بتأصيل لغوي وفلسفي بديع يربط بين (الجامع، الجامعة، الجماعة، المجتمع)؛ فالجامعة هي الكيان الذي يجمع الشتات المعرفي والبشري ليصب في نفع “المجتمع” وصلاح “الجماعة”، مستلهمًا روح “الجامع”. وحين تفقد الجامعة هذه الروح، تتحول إلى مجرد حشد بلا هوية.

الخلاصة: هذه الدراسة صرخة تحذيرية ومشروع بناء في آنٍ واحد؛ فهي تشخص بدقة كيف تحولت الجامعة من “حاضنة للهوية” إلى “بيئة طاردة” ومكان للصراع الطبقي والثقافي، وتقدم “الجامعة الحضارية” كطوق نجاة لاستعادة العقل الاستراتيجي للأمة.

للتحميل اضغط هنا