الأسئلة النهضوية

يعد مالك بن نبي (مهندس النهوض الحضاري)؛ أكثر من قدم “تشريحا” دقيقا للمرض الحضاري، ولم تكن مفاهيمه مجرد تنظيرات، بل كانت أدوات تحليلية (مفاتيح) لفك شفرة التخلف من جهة، وتحديد معالم النهوض على طريق الرشد والنهوض الزائف المفسد للتغيير الحارس لكل صنوف التخلف ومظاهر الانحطاط، بناء على رؤاه ومنظوماته المفاهيمية ومدركاته الحضارية ومشكلات النهوض وإشكاليات البناء الحضاري، من جهة أخرى. وفق هذه الرؤى واتساعها علينا أن نتوقف ونتبصر أهم مفاتيحه المفاهيمية، وكيف تمكننا بوضوح من فهم “النهوض الزائف”؛ أستطيع أن أقول جازما إن مالك بن نبي هو خير من أطّر وأصّل لهذا المفهوم مبينا أهم تجلياته؛ راصدا أهم أسبابه؛ موضحا لأهم مخاطره وخطورته.

من أهم المفاتيح المفاهيمية الأساسية، الشارحة للنهوض الزائف، هو “القابلية للاستعمار”، إنه المفتاح الأهم؛ حيث يرى بن نبي أن الاستعمار ليس مجرد جيوش خارجية، بل هو “حالة نفسية واجتماعية” داخلية تجعل المجتمع مستعدا للهزيمة. المجتمع الذي يفقد وعيه وروحه يصبح “قابلا” لأن يُستعمر، حتى لو خرج الجندي الأجنبي. وكأنه يجمع بين تحولات الظاهرة الكولونيالية؛ في أشكالها التقليدية المباشرة إلى الأشكال من القابليات الكامنة التي تتمكن من الكيان في أشكال الكولونيالية المستجدة المتخفية.

من أهم المفاتيح المفاهيمية الأساسية، الشارحة للنهوض الزائف، هو “القابلية للاستعمار”، إنه المفتاح الأهم؛ حيث يرى بن نبي أن الاستعمار ليس مجرد جيوش خارجية، بل هو “حالة نفسية واجتماعية” داخلية تجعل المجتمع مستعدا للهزيمة

إن عالم القابليات وتشريحها والكشف عنها هو أهم عمل يمكن أن نقوم عليه لفضح المعاملات الجديدة المستترة والخبيثة. إننا أمام تأشير منهجي شديد الأهمية في الحالة الإدراكية؛ الظاهرة والقابلية لها أهم الإسهامات الفارقة بين النهوض الزائف وقابلياته؛ والنهوض الراشد وممكناته. فالظاهرة الاستبدادية لها قابليات مؤثرة إن سلبا أو إيجابا؛ ومن شعبها الاستبداد والقابلية للاستبداد؛ والتحرر والقابلية له؛ والاستحمار والقابلية للاستحمار، على ما يرى علي شريعتي في كتابه “النباهة والاستحمار”.

أما المفتاح المفاهيمي الثاني فيقع في تصنيفه الفريد للعوالم المؤثرة؛ عالم الأشياء، عالم الأشخاص، عالم الأفكار؛ إذ يقسم بن نبي مكونات الحضارة إلى ثلاثة عوالم: عالم الأفكار؛ هو الروح والمحرك (الوعي)، وعالم الأشخاص هم الفاعلون (السعي)، أما عالم الأشياء فهي النواتج المادية (المباني، التكنولوجيا). والمعادلة الراشدة التي ولّدها مالك أن الأفكار تقود الأشخاص لصناعة الأشياء، والمعادلة الزائفة المقابلة هي تقديم الأشياء والأشخاص على عالم الأفكار؛ فيُعلي فعل التراكم (التكديس) في قبالة البناء، وهو ما جعل مالك مصرّا على تفرقته الضافية لإبراز أحد تجليات النهوض الزائف؛ إذ يفرق بين “تكديس” نواتج الحضارة (شراء الأشياء) وبين “بنائها”.

البناء عملية ذاتية تنبع من الداخل، أما التكديس فهو استعارة قشور الآخرين دون امتلاك “الروح” التي صنعتها. ومن ثم فإن امتلاك عالم الأشياء من دون الفكرة لا يمكن أن يبني على الحقيقة نهوضا إلا إن كان قشريا مظهريا؛ يكدس الأشياء فيصطنع عقلية التكديس لا الإنتاج. إن مستهلك الحضارة ليس بانيها؛ وبناء الحضارة لا يكون إلا بالحضور الفاعل.

كما يُعد تشريح مالك بن نبي لـ”عالم الأفكار” هو المفتاح الأهم لفهم الفرق بين الحضارة الحقيقية وبين ما نسميه “النهوض الزائف”؛ حيث رأى مالك أن الحضارة ليست “منتجا” يُشترى، بل هي “عملية” تولد من تفاعل الأفكار. وعلى ذلك فإن تصنيف مالك لعالم الأفكار والكيفية التي استخدمها لتفكيك ظاهرة النهوض الزائف أمر يحرك أصول التفكير، ويحدد مسالك التدبير في المسألة النهضوية والحضارية والعمرانية؛ مؤكدا أن الأفكار في أي مجتمع تنقسم إلى نوعين جوهريين، وبناء على التوازن بينهما يتحدد مصير الأمة:

1. الأفكار المطبوعة: هي الأفكار الأصيلة النابعة من ذات الأمة، ومن جذورها الثقافية والروحية. هذه الأفكار هي التي تمنح المجتمع “هويته” وتحدد “بوصلته”، وتجعل الإنسان يتحرك بدافع داخلي وليس بضغط خارجي.

2. الأفكار الموضوعة: وهي الأفكار التي يكتسبها المجتمع من خلال التجارب، والعلوم، والتقنيات، والاحتكاك بالحضارات الأخرى. هي “أدوات السعي” والفاعلية.

والمعادلة الراشدة للنهوض الحقيقي تحدث عندما تتبنى الأمة أفكارا موضوعة (تقنية وعلوم) لتخدم أفكارها المطبوعة (القيم والهوية). أي أن “الوسيلة” تخدم “الغاية”.

إن دروس مالك في رصد مفهوم “النهوض الزائف” وأهم مظاهره ومخاطره؛ من خلال عالم الأفكار من أهم مساحات الدرس والفحص، ذلك أن النهوض الزائف عنده هو حالة من “الخلل العقلي والحضاري”، ويظهر في صورتين:

الصورة الأولى تتخذ شكل تكديس الأشياء بدلا من بناء الأفكار؛ المجتمع الذي يعاني من “نهوض زائف” والحال هذه يظن أن الحضارة هي مجموع ما يملكه من طائرات، ومصانع، وناطحات سحاب؛ حيث يطلق بن نبي على هذا اسم “التكديس”. في النهوض الزائف، نحن نشتري “عالم الأشياء” الخاص بالغرب، لكننا لا نملك “عالم الأفكار” الذي أنتج تلك الأشياء، وتكون المحصلة إذا من تلك المقدمات أننا نصبح مجرد “مستهلكين” للحضارة، وتظل “قابليتنا للاستعمار” قائمة لأننا مرتهنون تكنولوجيا وفكريا للغير.

أما الصورة الثانية فتتمثل في الأفكار الميتة والأفكار القاتلة؛ إذ يفسر بن نبي فشل النهوض من خلال نوعين من الأفكار التي تسيطر على العقول في فترات الانحطاط:

– الأفكار الميتة: هي أفكار موروثة من عصور الانحطاط، لم تعد صالحة للواقع وتفتقر للفاعلية (مثل التواكل، الجمود، والخرافة).

– الأفكار القاتلة والمميتة: هي أفكار وافدة من حضارات أخرى، نأخذها دون تمحيص، فتصطدم بهويتنا وتخلق حالة من “الفصام النكد”.

غاية الأمر أن النهوض الزائف هو محاولة تشييد دولة حديثة بـ”أفكار قاتلة” (تبعية عمياء للغرب) فوق مجتمع لا يزال محكوما بـ”أفكار ميتة”.

أما المفتاح الثالث لدى مالك فيتمثل في مفهوم الدورة الحضارية والمعامل الحضاري؛ (الروح، العقل، الغريزة)؛ إذ تمر الحضارة بثلاث مراحل:

– مرحلة الروح: حيث يسيطر الوازع الأخلاقي والوعي (النهوض الحقيقي).

– مرحلة العقل: حيث يبدأ التوسع المادي والمنطقي.

– مرحلة الغريزة: حيث يغيب الوعي وتسيطر الشهوات والمادة، وهنا تبدأ “القابلية للاستعمار”.

فكرة الدورة الحضارية في مجملها تترافق مع فكرة المعامل الحضاري ومكونات التشكيل الحضاري؛ ودور هذه الفكرة الحضارية الجوهرية وأهميتها في الكشف عن النهوض الزائف؛ إذ يعتبر “المعامل الحضاري” (أو معادلة الحضارة) عند مالك بن نبي هو المختبر الكيميائي الذي يُفحص فيه صدق أي تجربة نهضوية، ومن خلال هذا المعامل، استطاع بن نبي أن يضع يده على التزوير الذي يمارسه “النهوض الزائف”، والذي يكتفي بتكديس النواتج دون امتلاك القدرة على الإنتاج، من هذا الفهم صاغ بن نبي معادلته الشهيرة لتفسير نشوء أي حضارة، ولكنه أضاف شرطا جوهريا: هذه العناصر الثلاثة تظل “مواد خاما” ميتة ما لم يتدخل “مُرَكِّب” يجمع بينها، وهذا المركب هو “الفكرة الدينية” (أو المنظومة القيمية والروحية العليا).

– الإنسان ليس ككتلة بيولوجية، بل كإرادة ووعي (ساق الوعي).

– التراب الموارد المادية والطبيعية (المجال المادي) والسياق المكاني؛ “هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا” (هود:61).

– الوقت: الفرصة المتاحة في الزمن للعمل والإنتاج والإنجاز (ساق السعي).

– الفكرة المُرَكِّبة: هي الروح التي تحول الإنسان من فرد مستهلك إلى “إنسان حضاري” منضبط ومنظم وملتزم.

من خلال دمج هذه المفاتيح، يمكننا تعريف النهوض الزائف بأنه “حالة من التورم المادي في عالم الأشياء، تتم بتمويل خارجي أو استهلاك لموارد ناضبة، دون وجود أساس في عالم الأفكار أو فاعلية حقيقية في عالم الأشخاص”. وتعريف هذا المفهوم بالخصائص عند بن نبي يعني ضمن ما يعني؛ الهروب إلى “عالم الأشياء”: النهوض الزائف ينشغل ببناء ناطحات السحاب وشراء أحدث التقنيات (التكديس) دون الاهتمام ببناء “الإنسان” الذي يديرها أو “الفكرة” التي توجهها؛ هو نهوض “بصري” فقط، يخضع لمقولة “القابلية للاستعمار”. ففي النهوض الزائف، قد تملك الدولة جيشا قويا ومصانع، لكن إنسانها لا يزال يشعر بالدونية تجاه الآخر، ولا يزال عقله مرتهنا لتبعية ثقافية أو سياسية، هو “تحديث” للمباني مع “تخلف” في المعاني.

النهوض الراشد يبدأ من “عالم الأفكار” (تغيير ما بالأنفس) لينعكس على “عالم الأشياء”. أما النهوض الزائف فهو يحاول البدء من “عالم الأشياء” (شراء المظاهر) مع بقاء “عالم الأفكار” في حالة ركود أو تبعية

– غياب “الروح” (النهوض المادي الميت): النهوض الزائف يفتقر إلى “الروح” التي تحدثنا عنها (المعنى والغاية). هو نهوض “آلي” مدفوع بقرارات فوقية (استبدادية غالبا)، لذا فهو ينهار بمجرد توفر ضغط خارجي أو جفاف الموارد المالية، لأنه لم ينمُ “سريانا” في عقول الناس.

– الاستهلاك لا الإنتاج: المجتمع في النهوض الزائف هو “مستهلك للحضارة” وليس “صانعا لها”، هو يشتري “المنتج” النهائي للوعي الغربي دون أن يمر بـ “عملية الوعي” التي أنتجت ذلك المنتج.

– “النهوض الزائف” نمو مادي بلا روح: بناء مدن ومؤسسات ضخمة (مادة) بينما الإنسان (الروح) محطم، فاقد للوعي والفاعلية، مع غياب “المنطق العملي”.

– فائض الكلام عن النهوض: (ثرثرة فكرية) مع غياب “الكدح” والسعي الفعلي، والاستدانة الحضارية بالاعتماد الكلي على الخبرات والأدوات المستوردة، مما يجعل النهوض “قشرة” خارجية تسقط عند أول أزمة اقتصادية أو سياسية.

– الذرية الاجتماعية: إذ يبقى المجتمع كـ”أفراد” مشتتين، لا يجمعهم “ناظم” قيمي أو وعي جمعي، مهما بدت الدولة منظمة من الخارج.

إنه ميزان النهوض الوازن والفارق لدى بن نبي؛ النهوض الزائف هو “صيدلية” مليئة بالأدوية المكدسة، لكن الطبيب (الوعي) غائب، والمريض (المجتمع) لا يزال فاقدا لإرادة الشفاء. النهوض الراشد يبدأ من “عالم الأفكار” (تغيير ما بالأنفس) لينعكس على “عالم الأشياء”. أما النهوض الزائف فهو يحاول البدء من “عالم الأشياء” (شراء المظاهر) مع بقاء “عالم الأفكار” في حالة ركود أو تبعية. لذا، فإن العدل، والاختيار المسئول والإرادة الحرة هي في صلب “عالم الأفكار المطبوعة”؛ التي بدونها يظل أي تقدم مادي مجرد “سراب حضاري” أو نهوض زائف.

بعبارة مبسطة إذا أردت أن تعرف هل النهوض الذي تراه (راشدا) أم (زائفا)، اسأل أسئلة مالك بن نبي:

– هل نحن نبني “الإنسان” أم نكدس “الأشياء”؟

– هل نملك “أفكارنا” أم نحن “مستعمرون” في عقولنا؟

– هل هذا النهوض هو “سريان لروح الأمة” أم “أمر من مستبد”؟

ولا تزال منظومات بن نبي الحضارية تولّد من الأفكار الكثير نكشف عنه في مقالات لاحقة شارحة كاشفة فارقة فرقانية بين نهوض زائف ونهوض راشد بحول الله.