كأنني أحسست أن مالك حينما تحدث عن الفكرة المخذولة والفكرة المنتقمة؛ أنه يتكلم عن الفكرة الدينية وخذلانها في عالم البناء والتشكيل الحضاري، وأنه بخذلانها قد تتحول إلى فكرة منتقمة من أبنائها وأهلها: “قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرا” (طه: 125)، “قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ” (طه: 126). إن أعظم تجليات “الأفكار المنتقمة” عنده هي الفكرة الدينية حين تُفصل عن واقعها الحضاري وتُحبس في الزوايا المظلمة بعيدا عن “التراب” و”الوقت”.
إن الآيات الكريمة تصف “عمى المآل” و”النسيان الوجودي”، وهذا الربط يكشف عن طبيعة “الانتقام الحضاري” للفكرة الدينية المخذولة في ثلاثة أبعاد:
1. خذلان الفكرة: “العمى في عالم التشكيل”؛ الفكرة الدينية “بصيرة” بطبعها، تمنح الإنسان رؤية للغد وقدرة على التسخير. خذلانها يحدث حين يتنازل أهلها عن دور “البناء” ويكتفون بـ”الاجترار”. “وقد كنتُ بصيرا”: كانت الفكرة قادرة على قيادة المجتمع نحو السيادة والفاعلية والإنجاز (البصيرة الحضارية). “لِمَ حشرتني أعمى”: عندما نخذل الفكرة بفصلها عن “الكدح التقني والحضاري”، فإننا نُصاب بـ”عمى ميداني”؛ نصبح عاجزين عن رؤية الحلول في ترابنا، وعاجزين عن إدارة وقتنا، فنتخبط كالأعمى في ذيل الأمم.
الفكرة الدينية إما أن تملك “الحيوية” الواعية الداعية الفاعلة، أو تقع في حال “التحنط” والتجمد؛ إذ حذر ابن نبي من أن الفكرة الدينية قد تفقد فاعليتها وتصبح “منومة” مخدرة بدلا من أن تكون “منشطة” فاعلة؛ إذا فُصلت عن الحركة التاريخية، و”بناء اللبنة الحضارية في صرح التغيير والنهوض”، ضمن سياقات “حيويتها”
2. انتقام الفكرة: “النسيان التاريخي”؛ عبارة “وكذلك اليوم تُنسى” هي التجسيد القرآني لـ”الأفكار المنتقمة”. الفكرة الدينية التي “نساها” أهلها في واقعهم (أي لم يفعّلوها في التراب والوقت)؛ تنتقم بنسيانهم: تُسلب منهم “البركة” في الوقت، و”السيادة” على التراب، ويصبحون خارج ذاكرة التاريخ الفاعل. المحصلة في ذلك أن يتحول المجتمع إلى “غثاء كغثاء السيل”؛ أي “شيئية” محضة لا روح فيها ولا وزن لها في ميزان القوى والفعلية الحضارية.
3. الفكرة المنتقمة: من “هداية” إلى “عقوبة”؛ الفكرة الدينية المخذولة تتحول في نفوس ضعيفة كليلة إلى “طاقة سلبية” تحرق أصحابها؛ بدلا من أن تكون “دافعا للعمل”، تصبح “مخدرا للكسل” (التواكل بدل التوكل). بدلا من أن تكون “رابطا للبنيان”، تتحول إلى “وقود للنزاع” المذهبي والطائفي الذي يمزق “الكتلة التاريخية”. هذا هو “انتقام” الفكرة التي أراد الله لها أن تبني صرحا، فأراد أهلها أن يجعلوها مجرد “نقاشات بيزنطية” بعيدة عن موقع الفاعلية والإنجاز الحضاري.
الفكرة الدينية عند مالك بن نبي إذا ليست مجرد “عقيدة غيبية” تُخزّن في الروح، بل هي “المركب الحضاري الفعّال” الأكيد وربما الوحيد الذي يمتلك القدرة على دمج العناصر الثلاثة (الإنسان، التراب، الوقت) لصناعة نسيج الحضارة. بدون هذه الفكرة، تظل العناصر مبعثرة؛ فالتراب يظل طينا ساكنا، والوقت يمر هباء، والإنسان يبقى غريزيا لا همّ له سوى إشباع حاجاته البيولوجية.
إن مالك بن نبي مهندس ميكانيكا؛ يجمع بين البناء والقدرة على التركيب، وبما أنه تخصص في دراسة قوانين الميكانيكا والإستاتيكا؛ فإنه عرف أن قوانين الحركة في عالم الديناميكا. لا يمكنك دراسة حالة الإستاتيكا الجامدة بمعزل عن قوانين الحركة الفاعلة، ووفق هذه الثقافة التي تسكنه بدا له أن يدرس فكرة الحضارة وقلبها الثقافي النابض في عالم الأفكار؛ ضمن معادلات حضارية أبدعها، وعلى هذا هندس ابن نبي دور “الفكرة الدينية” كجوهر للنهوض في تجليات ذات طبيعة منظومية:
1. الفكرة الدينية كـ”قوة دمج” (التركيب الحضاري)؛ إذ يرى ابن نبي أن الحضارة لا تولد بـ”تجميع” المنتجات (الشيئية)، بل بـ”تركيب” العناصر. الفكرة الدينية هي التي تمنح الإنسان “الدفعة” الروحية ليقتطع من وقته ويبذل من جهده في التراب. قبل الفكرة وتفاعل الإنسان معها، فإن الإنسان يعيش “خارج التاريخ”، مستنكفا عن الكدح، عاجزا عن تسخير الطبيعة ضمن قواعد سنن التسخير الإلهي. أما بعد الفكرة، فتشتعل فيه “الشرارة” التي تجعله يرى في عمارة الأرض عبادة، وفي الوقت أمانة، وفي التراب مجالا للاستخلاف.
2. السيطرة على الغرائز: تحرير الإنسان من تبعيته لهواه وغرائزه وتبعية العجز والكل؛ “أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ” (الجاثية: 23)، “أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” (الملك: 22)، “وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ” (النحل: 76). هذه النماذج غير السوية لا يمكن للإنسان أن يبني “بنيانا مرصوصا” وهو عبد لشهواته أو كسله أو عجزه. الفكرة الدينية عند مالك هي التي تضع “القيد الأخلاقي” على الغرائز، مما يحرر طاقة الإنسان ويوجهها نحو “الكدح الحضاري”. هي التي تحول “الأنا” الفردية إلى “نحن” جماعية (الكتلة التاريخية)، هي التي تمنحه الصبر لمواجهة خشونة التراب وضيق الوقت.
3. تحويل “الرؤى النظرية” إلى “فعل اجتماعي حضاري”: إذ يرى أن الفكرة الدينية إذا بقيت مجرد “تجريد” فإنها تخذل أصحابها؛ النهوض يحدث حين تتحول هذه الفكرة إلى “شبكة روابط اجتماعية”. الفكرة الدينية هي التي تُعلّم الإنسان أن “اللبنة” التي يصنعها هي صلة وصل بينه وبين مجتمعه، وبينه وبين ربه، هي التي تحول “الدليل الشرعي” من نص يُتلى إلى “بنيان” يُرى.
الفكرة الدينية إما أن تملك “الحيوية” الواعية الداعية الفاعلة، أو تقع في حال “التحنط” والتجمد؛ إذ حذر ابن نبي من أن الفكرة الدينية قد تفقد فاعليتها وتصبح “منومة” مخدرة بدلا من أن تكون “منشطة” فاعلة؛ إذا فُصلت عن الحركة التاريخية، و”بناء اللبنة الحضارية في صرح التغيير والنهوض”، ضمن سياقات “حيويتها” عبر الكدح الذي يشكل التجسيد العملي لآية الاستخلاف، والتقوى الحضارية التي هي معيار الإتقان الميداني. والملاقاة هي المحرك الذي يطرد اليأس ويصنع “الأمل الفسيح”؛ “يا أيها الإنسان إنك كادح الى ربك كدحا فمملاقيه”.
الفكرة الدينية عند مالك هي “الروح” التي تنفخ في جسد المجتمع الميت لينهض كادحا نحو ربه. وبدون هذا الجوهر، نتحول إلى مجتمع “أشياء” نستهلك ما ينتجه الآخرون، ونفشل في التعامل مع ترابنا ووقتنا. هذا التصور العميق، يصور الكيفية التي نتمكن من خلالها حماية “الفكرة الدينية” لدى الإنسان من أن تتحول إلى “عاطفة باردة” أو “شعار فارغ”، وتبقيها “طاقة تشغيلية” تدفع يده للعمل في التراب من أجل العمران.
حين نصف الفكرة الدينية بأنها “الروح”، فنحن لا نتحدث عن عاطفة مجردة، بل عن “القوة المحركة” التي تُخرج الإنسان من حالة “الشيئية” (أنه مجرد شيء بين الأشياء) إلى حالة “الفاعلية” (أنه سيّد في التفاعل معها). بدون هذا الجوهر، نقع في فخ “التراكم” بدلا من “البناء”، وهو ما حذر منه ابن نبي حين رأى المجتمعات تستهلك “منتجات الحضارة” (الشيئية) دون أن تملك “روح الحضارة” (القدرة على التركيب). لضمان بقاء هذه “الروح” طاقة تشغيلية في ميدان “بناء اللبنة”، يجب إخضاعها لعمليات هندسية من طبيعة عمرانية؛ في سياق التربية الميدانية الفاعلة، حيث يدرك الإنسان أن ملامسة “التراب” لمقصد عمراني ليست خروجا عن الروحانية، بل هي “التجسيد المادي” لصدق إيمانه.
إن إتقان صنع اللبنة هو في حقيقته “تسبيح تقني”، وهو مقاومة “الشيئية” عبر “الكدح”. المجتمع الذي يفقد الروح يتحول إلى مجتمع “أشياء”، حيث تُقاس القيمة بما نملك لا بما نصنع. الإنسان قيمته في “كدحه” الحضاري العمراني؛ “يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحا فَمُلَاقِيهِ” (الانشقاق: 6)، لا في “استهلاكه”. الكدح في الوقت والتراب هو السد المنيع الذي يمنع تحول الإنسان إلى “ترس” في آلة استهلاك عالمية، ويعيده “خالقا للمسارات” ومستخدما للسنن.
الفكرة الدينية كتماسك جمعي و”ملاذ” اجتماعي (البنيان المرصوص)؛ إن الروح التي تنفخها الفكرة الدينية لا تحيي الأفراد كجزر منعزلة، بل تدمجهم في “بنيان مرصوص”. إذ تصير الفكرة الدينية في ميادين عمارة وعمران حياة الناس ومجالاتها في حرص الإنسان على استقامة لبنته لكيلا يميل جدار أخيه؛ هذا “الرص” هو الذي يحول الجهد الفردي إلى “كتلة تاريخية” قادرة على مواجهة التحديات.
الروح التي تنفخها الفكرة الدينية لا تحيي الأفراد كجزر منعزلة، بل تدمجهم في “بنيان مرصوص”. إذ تصير الفكرة الدينية في ميادين عمارة وعمران حياة الناس ومجالاتها في حرص الإنسان على استقامة لبنته لكيلا يميل جدار أخيه؛ هذا “الرص” هو الذي يحول الجهد الفردي إلى “كتلة تاريخية” قادرة على مواجهة التحديات
الفكرة الدينية بتلك المعاني والمغازي تحدث انتقالا تأسيسيا وتحولا جوهريا من “مجتمع الأشياء” إلى “مجتمع الأفكار والعمل”؛ وتحدث وصلا بينهما بما توفره من إجابة على سؤال “لماذا نكدح؟”، والمنهج التقني والمسلك الأدائي والتسييري (كيف نكدح؟)، وتوجهنا إلى العمل العمراني الجاد في التراب والوقت (أين ومتى نكدح؟). ضمن هذا التفكير المستقيم والتدبير العميق والتسيير باليسر والتيسير فنحن لا نصنع “عُمالا”، بل نصنع “كادحين مستخلفين”؛ عيونهم على الغد، وأقدامهم راسخة في تراب الواقع، وأرواحهم متصلة برب الرجعى والمنتهى. بناء على هذه الرؤية المتكاملة، فإن “اللبنة الأولى” ليست مصنوعة من الطين، بل هي “الفكرة الدينية” التي تم تطهيرها من “الشيئية” لتصبح جاهزة للبناء في ميادين العمران بـ”المفاعلات التحويلية”. إنها العمليات التي تنقل الفكرة من حيز “النص” ومبانيه، ومن أوامره ومناهيه؛ إلى حيز “العمران الاستخلافي” وبنيانه التأسيسي.
إن إغفال قوانين الفكرة الدينية التي تضع للإنسان خريطة طريق لتمكينه هو أخطر ما يواجهه إنسان الحضارة. التمكين في جوهره هو “توطين الفكرة في المادة”، وهو لا يحدث بالوعظ، بل عبر سيرورة عمرانية تحول النص الحر إلى “هيكل” مقاوم للفناء، والحفاظ على مقومات البقاء. التمكين الفعلي عندما تصبح “اللبنة” مطابقة للمواصفات؛ هنا نكون قد “مكنّا” لِقيمة الأمانة في عالم المادة. الفكرة الآن لم تعد “نصا” يطير، بل أصبحت “كتلة” تحمله.
الفعل التمكيني هو الذي يحول “ذرات الجهد” المشتتة إلى “كتلة تاريخية”، وهذا هو المعنى العميق لقوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ” (الصف:4). التمكين هو “شهادة ميلاد الفكرة في عالم الشهادة”؛ بمجرد أن تضع اللبنة الأولى المتقنة، فقد أخرجت الفكرة من أفق “النص” إلى رحابة “التمكين”؛ أنت الآن لا “تتكلم” عن النهوض، بل “تقيمه” وزنا بوزن، وذرة بتراب.
الفكرة الدينية المخذولة هي “شمس غائبة” تترك المجتمع في ظلام “الشيئية” والتيه؛ والعمل في “بناء اللبنة” هو محاولة لفتح النوافذ ليدخل ضوء هذه الفكرة إلى “المصنع” و”الحقل” و”موقع البناء” على طريق التمكين. إن الانتقام الأعظم هو أن يكون بين أيدينا “منهج النجاة” (الدليل)، ثم نعيش واقع “الهلاك الحضاري” لأننا خذلنا المنهج عند عتبة “التراب”.
إن اللبنة التي تضعها اليوم هي “لبنة الحياء من الله”؛ حياء من أن نلقاه ومعنا “منهج النجاة” وقد تركنا خلفنا “واقع الهلاك”. هي الرد الذي يحول الفكرة من “خصم منتقم” إلى “حليف مُمكّن”.
إن من سنن الفكرة الدينية وانتظامها الحضاري أنه لا يوجد وجع حضاري أشد من أن نكون “أغنياء بالوحي” و”فقراء بالواقع”؛ والعمل الحضاري العمراني الحقيقي هو استعادة “الغنى الواقعي” عبر الكدح في عتبة التراب، ليكون المنهج شاهدا لنا لا شاهدا علينا.
ولا تزال الفكرة الدينية تبوح بأسرارها في ميادين تشكيل الحضارة وبناء العمران على طريق النهوض الراشد؛ “هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا” (هود: 61).