إن الحديث النبوي بما يمثله من “جوامع الكلم” يشكل مصدراً مهماً للمعرفة والقدرة على صياغة مؤشراتها ومؤثراتها، في تناول كثير من قضايا العلم الإنساني والاجتماعي، وهو أمر سبق تجريبه من خلال جهد بحثي سابق، ويشكل هذا البحث مواصلة واستمراراً له. إن تأسيس رؤى منهجية على قاعدة من فكرة “المثل” وتفعيلها إنما تشكل واحدة من أهم الأدوات المنهجية المهمة، وهذا التعامل ليس “بدعاً” أو “خروجاً” على النشاط المنهجي للجماعة العلمية في حقول معرفية متنوعة في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

إن فكرة “البناء والوظيفة” التي حملت مدخلاً مهماً تفاعلت معه كثير من الدراسات، كان في واحد من استناداته المرجعية ليس إلا استعارة من علوم البيولوجيا وعلوم وظائف الأعضاء، وإن فكرة “النظام” لم تكن إلا تأسيساً على قاعدة من علوم الآلة ودراسة الميكانيكا. هذا الارتحال الفكري والعلمي من الأمور المهمة التي أنتجت بدورها ممارسات بحثية لا يمكن لأحد في سياقات الجماعة العلمية أن ينكر أهميتها، فضلاً عن إنكار تأثيراتها في ارتقاء البحث، على الرغم مما طال هذه المداخل المنهاجية من نقد أو تحفظ هنا أو هناك.

الأمثال في كل أمة خلاصة تجاربها ومحصول خبرتها، وقواعدها المكنونة وصيغتها المقبولة، وإذا كانت سائر أمثال الناس بهذه المثابة، فلا غرابة في أن تكون أمثال الرسول (صلى الله عليه وسلم)، أكثر أهمية، وأبلغ حكمة، وأنصع بياناً، وأكرم معنى

إن موضوع الأمثال يكتسب أهمية من حيث ذيوع مادته وانتشارها وامتزاجها الشديد بلغتهم [لغة الناس] وارتباطها بمختلف جوانب حياتهم؛ إذ إن الأمثال تمثل رصيداً حضارياً هائلاً لكل شعب من الشعوب، ويتأكد ذلك بالنسبة لأمثال الحديث النبوي الشريف، لحاجة المسلمين إلى معرفتها وإقبالهم عليها، وهي من جملة وظيفة الرسالة في البشارة والنذارة والدعوة والبلاغ والأثر المتمثل في استنارة حياة الناس في معاشهم والقضايا المرتبطة به: “السراج المنير”. وكل هذه الوظائف هي من جملة متطلبات الشهود الحضاري الواجب الاضطلاع به والوقوف عليه.

ويطول بنا المقام لو تتبعنا توظيف الأمثال خاصة ما ارتبط بها من أحاديث نبوية، فالأمثال في كل أمة خلاصة تجاربها ومحصول خبرتها، وقواعدها المكنونة وصيغتها المقبولة، وإذا كانت سائر أمثال الناس بهذه المثابة، فلا غرابة في أن تكون أمثال الرسول (صلى الله عليه وسلم)، أكثر أهمية، وأبلغ حكمة، وأنصع بياناً، وأكرم معنى.

والمثل بهذا الاعتبار مجمل المعنى ومفعم بالمعاني الكثيفة، وهو على ما قال شوقي، أمير البيان العربي، واصفاً جوامع كلم النبي (صلى الله عليه وسلم)، وهو الكلام الذي قل عدد حروفه وكثر عدد معانيه، وجل عن الصنعة، ونزه عن التكلف.. ومن ثم هو ميراث الحكمة، المقترن بالقبول الجامع بين حسن الإفهام وقلة عدد الكلام، من استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته. وهو، من حيث توظيفه، الأعم نفعاً، والأعدل والأثقل وزناً، والأحسن موقعاً، والأسهل مخرجاً، والأفصح معنى، والأبين مغزى.

وها هو الحكيم الترمذي يتوقف عند معنى “المثال” في الأمثال حيث قال: “الأمثال: نموذجات في الحكمة، لما غاب عن الأسماع والأبصار، لتهتدي النفوس بما أدركت عياناً”. وهذا من ألطف ما قيل في هذا الباب وأجمع، مفصلاً عن حديثه عن “النموذج”، فإنه يحدد وظائف الأمثال اجتماعياً وتربوياً، “فالأمثال عنده بمثابة وسائل الإيضاح في عصرنا الحاضر، تمكن النفوس مما خامرتها الحيرة فيه، من أمور خفية، وترسخ الأفكار في الأذهان، فالأمثال نماذج حسية لأمور معنوية”.

تأصيل نبوي راق ورصين لشبكة العلاقات الاجتماعية في مخيال المثال النبوي؛ ينقله إلى مخيال عالم التصورات والتصرفات في عالم المؤمنين في امتداد خيوط شبكة التداعي الواصل بين شبكية الأخوّة الإيمانية؛ وهو حديث الاجتماع الحاسم الذي يعبر عن جوامع الكلم لدى النبوة: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو؛ تداعي له سائر الجسد بالحمى والسهر”؛ حديث يؤسس لشبكة الأمة في أصول التعاضد في شبكة العلاقات الاجتماعية المتينة والرصينة.

هذه المشابهة العضوية وتلك المشابهة الجسدية عنوانان لإحساس الأمة الوجداني والحضاري؛ إذ تكتمل سيمفونية البناء النبوي العظيم لشبكة العلاقات الاجتماعية بهذا الحديث الحاسم والجامع؛ حديث “الجسد الواحد” الذي يمثل الذروة المعرفية والوجدانية المعنوية في تصوير طبيعة الكيان الحضاري للأمة؛ ففي قوله صلى الله عليه وسلم: “مَثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر”، نكون أمام إضاءة كبرى تعيد صياغة مفهوم الاجتماع الإنساني على أساس العضوية الحية، لا على أساس التجمع الميكانيكي أو التجمع الأصم.

أولاً: المشابهة العضوية.. نقض الإدارة الميكانيكية والذرية المجردة

يرفض المنطق النبوي تماماً تلك النظرة المجتزأة التي تبني المجتمعات على أساس الأفراد المتباعدين أو الكتل الاستهلاكية المنفصلة (كما تفرضها نماذج الشيئية والتسليع المادية):

– الترابط العضوي لا التجمع الآلي: المجتمع الراشد ليس مجموعة أفراد متجاورين تجمعهم مصالح اقتصادية مؤقتة، بل هو “جسد حي” تتصل أعضاؤه عروقاً ومشاعر ومصيراً.

– إسقاط الأنانية والقعود: حين يتحول المجتمع إلى جسد واحد، تسقط ثقافة “النفس نفسي” والعطالة الفردية؛ إذ لا يملك العضو السليم رفاهية التجاهل أو الاستقالة حين يئن عضو آخر في أطراف الجسد.

ثانياً: أصول التعاضد والشبكة الاجتماعية الرصينة

تتجلى في هذا الحديث دقة “أصول التعاضد” التي تحرس شبكة العلاقات الاجتماعية من التفتت وتواجه “القوارض الاجتماعية”:

1. التواد والترحم والتعاطف (النسغ القيمي للشبكة): هي المنظومة الوجدانية الحية التي تمتلئ بها قلوب الأفراد، فلا تجد فيها غلاً ولا حسداً، بل تتغذى على إفشاء السلام والرحمة المتبادلة.

2. الاستجابة الفورية والكلية (التداعي بالحمى والسهر): إن وجع الفرد أو الجماعة في أي ركن من أركان الأمة هو وجع يطرق أبواب الوعي العام للجسد بأسره؛ فالاستجابة ليست تضامناً موسمياً أو إحساناً عابراً، بل هي “حالة استنفار حضاري” متكاملة ومستدامة.

ثالثاً: إحساس الأمة الوجداني والحضاري وعنوان الشهود

إن هذه المشابهة الجسدية والعضوية هي العنوان الأصدق على نضج الشاكلة الحضارية للأمة واستئناف شهودها:

– حراسة الكرامة والعدل الشامل: الجسد الذي يتداعى لمرض عضوٍ فيه هو جسد يرفض الظلم الهيكلي والتجريم الجماعي، ويقيم بنيانه على العدل والمسئولية الموضوعية.

– تمام معمار الوجود: بالتواد والتعاضد العضوي، تخرج الأمة من ظلمات التبعية والشيئية إلى رحاب الأمة القطب والأمة الجامعة؛ لتكون بحق البوصلة الحية التي تمنح الإنسانية نموذج الوصل، والرحمة، والتمام الحضاري.

وضمن هذه المقايسات النبوية كان الحديث الذي يصف الشبكة العلائقية في أبين تمثيل وأقوى تشبيه: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً”، والهندسة لمعمار عالم المؤمنين، ثم شبك عليه الصلاة والسلام بين أصابعه، في لغة جسد معبرة وفي مفهوم مبكر للتشبيك البنياني والشبكية الحضارية. هكذا يكتمل الصرح الهندسي والتعبيري للنبوة بأعظم وأبين تمثيل بصري وحركي لشبكة العلاقات الاجتماعية؛ ففي قوله صلى الله عليه وسلم: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك بين أصابعه”، نكون أمام حالة معرفية وذهنية وإدراكية ناضجة وجامعة وفاعلة؛ بصرية وحركية متقدمة للغاية، تتجاوز التنظير المجرد إلى تجسيد حي لـ”التشبيك البنياني والشبكية الحضارية” في أبهى صورها. فالنبوة البانية للموقف المبينة للسلوك؛ لا تكتفي ببيان التضامن الوجداني (كما في حديث الجسد)، بل تنتقل بنا إلى “هندسة المعمار” والترابط البنيوي المتماسك الذي يقاوم كل أشكال التذرر والتشرذم والشيئية المادية.

أولاً: استعارة البنيان.. نقض التذرر ومقاومة الشيئية المادية

حين يشبه النبي صلى الله عليه وسلم المجتمع بـ”البنيان”، فإنه يسقط تماماً نظرة الحضارة المادية التي تختزل الإنسان إلى أجزاء منفصلة أو “سلع” ذرية مبعثرة:

– التكامل لا التراكم: البنيان ليس مجرد حجارة متراصة بلا رابط، بل هو نسق هندسي دقيق تتوزع فيه الأحمال، ويستند فيه كل جزء إلى ما يليه لضمان استقرار الصرح بأسره.

– إسقاط الاستقالة والعطالة: الحجر في البنيان لا يملك رفاهية السقوط أو الانعزال؛ فبقاء البنيان وسلامته مرهون بتماسك كل لبنة، وهو ما يترجم عملية “الشد المتبادل” في مواجهة علل الوهن والقعود.

ثانياً: لغة الجسد والتشبيك.. المعرفية المبكرة للشبكية الحضارية

إن لقطة (ثم شبك بين أصابعه) تمثل ذروة الإعجاز التربوي والتثقيفي والبياني؛ حيث تحولت الكلمات إلى حركة ملموسة ترسم بوضوح معنى “الشبكية البنيانية”:

تتكامل نظرية الشبكة الاجتماعية الكبرى في المنهجية الحضارية؛ لترتفع وتترفع الأمة من أسر الإدارة الميكانيكية الآلية الصماء والتبعية المطلقة، إلى ذروة تشييد معمار الوجود على قواعد الوصل الإنساني، والفعالية المطلقة، واستئناف الشهود التاريخي كـ”أمة قطب” و”أمة جامعة”

– التداخل العضوي المحكم: تشبيك الأصابع ليس مجرد تجاور أفقي، بل هو تداخل وتراص دقيق تدخل فيه أجزاء الأصابع ببعضها بعضاً، بحيث يصعب الفصل أو الاختراق دون الإخلال بالنسق كله.

السيادة التشاركية بلا تمايز مقيت: تشبيك الأصابع يعبر عن المساواة في حمل الأعباء وتوزيعها؛ فلا إصبع يستعصي على تحمل الضغط، ولا إصبع يعيش بمعزل عن حركة اليد الكلية، محققاً بذلك نموذجاً فريداً للعدل الشامل والتعاضد المؤسسي.

ثالثاً: التمام الحضاري لشبكة العلاقات الراشدة

بهذه الإشارة ذات الأبعاد الثلاثية السابق منها والمذكور في الحديثين تقدم جميعها رؤية حافزة للوعي والسعي؛ الجامع والناظم والفعال:

1. الجسد الواحد (في الوجدان والشعور العضوي).

2. البنيان المتشابك (في الهندسة المؤسسية والتشبيك البنياني).

3. السنن الممتدة والوقف والمفاهيم (في الاستدامة التاريخية والعمق الحضاري في الحياة الدنيا والأخرى).

تتكامل نظرية الشبكة الاجتماعية الكبرى في المنهجية الحضارية؛ لترتفع وتترفع الأمة من أسر الإدارة الميكانيكية الآلية الصماء والتبعية المطلقة، إلى ذروة تشييد معمار الوجود على قواعد الوصل الإنساني، والفعالية المطلقة، واستئناف الشهود التاريخي كـ”أمة قطب” و”أمة جامعة”.

حديثان آخران يعينان على فهم مستجد لتصورات شبكة العلاقات الاجتماعية في مخيال أمثال النبوة ضمن هذه الصياغات النبوية الدقيقة والعميقة؛ ويبقى في الجعبة من كنوز النبوة ومن جوامع مقالها وكنوز الحكمة والإحكام فيها؛ في تصور شبكة العلاقات الاجتماعية التي تؤذن ببناء مجتمع جديد.