كنت أتأهب، قبل أيام، للعودة إلى إشكالية الترجمة، وقد واتانا حدث تاريخي بإنجاز مبهر لمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية؛ وجاءت مناسبة أخرى ونحن نتحدّث عن إشكالية اللغة، فهلَّ علينا يوم اللغة العربية العالمي في 18 ديسمبر/ كانون الأول الجاري احتفاءً بمكانتها الحضارية لغةً رسميةً في الأمم المتحدة، ولكن هذا اليوم التذكاري يثير في الوقت نفسه شجوناً بما تواجهه اللغة العربية من تقصير أهلها في استخدام الفصحى بما يليق بها، وبما يناسب إمكاناتها، وتجديدها بما يواكب العصر، وما يتطلّب من جهود مستمرّة في التعليم والتكنولوجيا والإعلام لاستئناف مكانتها والحفاظ على أصالتها. الاحتفال والاحتفاء ليس اكتفاءً بمناسبات سنوية، بل مرَّت المناسبة ولم نرَ الاهتمام بيوم اللغة، لتظلّ لغةً حيّةً تعكس الهُويَّة والثقافة وتواكب المستقبل التكنولوجي؛ ذلك أن اللغة وعاء للهُويَّة والثقافة، وهو ما يعني ضرورةَ الحفاظ عليها من التشويه، ودعوة أهلها وأصحابها إلى النهوض وانتهاز الفرصة لتسليط الضوء على جهود العلماء والمؤسّسات لحمايتها وتطويرها لمواجهة تحدّيات العصر، بكل متغيّراته عامّة، والتحدّي الرقمي خاصّة.

تشكو الفصحى من تقصير أهلها، وإهمال استخدامها في الحياة اليومية لصالح العاميات أو اللغات الأجنبية

ومن المهم أن نذكّر في هذا المقام بالعلاقة الجوهرية بين القرآن واللغة العربية، وما يترتب عليهما من حقوق؛ فمن حقّ اللغة على أهلها وحقّ القرآن على الأمة (من أهم شُعَب حفظ الذكر) ما يمكن أن نسميه “الحفظ القرآني للغة”؛ فالمعروف أن “العربية قبل القرآن كانت لغة واسعة، لكنها لم تكن لغة معيارية واحدة، بل أطياف من اللهجات القبلية التي تتقاطع في نظام نحوي وصرفي عام، وتختلف في ظواهر صوتية ومعجمية ودلالية؛ كانت لغة ذات قدرة مذهلة على الاشتقاق، لكنها تعتمد النقل الشفاهي أكثر ممّا تعتمد التدوين. نزول القرآن غيّر هندسة اللغة، لا بوصفه حدثاً دينياً فقط، بل بوصفه حدثاً لغوياً، فقدّم للعربية عنصرَيْن لم يكونا موجودين بهذا التشكّل؛ الأول هو المعيارية، إذ تحوّل النصّ القرآني إلى نقطة ارتكاز تستند إليها عملية ضبط النحو والصرف والقراءات. هذا جعل العربية تنتقل من فصاحة متداولة إلى فصاحة مقعّدة، ومن لغة حيّة قابلة للتغير السريع إلى لغة تمتلك معياراً ثابتاً يمنحها القدرة على الاستمرار. فحفظ القرآن البنية العامة للغة، وقيّد الانحرافات الطبيعية التي تتعرّض لها أيّ لغة مع مرور الزمن. الثاني هو الاستمرارية التاريخية، فاللغات التي لا تملك نصّاً مرجعياً قوياً تتبدّل جذرياً كل عدة قرون، وبعضها قد ينقرض”. أمّا العربية فقد اكتسبت من القرآن نظاماً حامياً ضدّ التآكل، فأصبحت اللغة الوحيدة تقريباً التي يستطيع قارئها اليوم فهم نصّ من 1400 سنة من دون ترجمة في الغالب. هذا مستوى من الثبات لا يتحقّق إلا للغات التي ترتبط بنصّ مُؤسِّس يمتلك سلطةً معنويةً واجتماعيةً كاسحةً. لكن هذا الوجه من القصّة لا ينفي الوجه الآخر؛ العربية خدمت القرآن لأنّها كانت أصلاً لغةً ناضجة، تملك بنية اشتقاقية ودلالية تسمح بتشكل نصّ يحمل طبقات متعدّدة من المعنى. فالقرآن لم يهبط في فراغ لغوي، بل على لسان قادر بطبيعته على احتواء دقّة التشريع وسعة الدلالة وكثافة البلاغة، ولو كان النصّ قد نزل بلغة فقيرة في الاشتقاق أو محدودة البنية، لما احتمل هذا المستوى من التركيب ولا التنوع الدلالي الذي يقوم عليه الفهم والتفسير” (نص فيديو في صفحة 𝑮𝒆𝒐..𝒉𝒊𝒔𝒕𝒐𝒓𝒚 بـ”فيسبوك”).
تدفعنا هذه المعاني إلى تأكيد أن اللغة الفصحى في أحوالها الراهنة تشكو تقصير أهلها في حقّها؛ من إهمال استخدامها في الحياة اليومية لغةً للتفاعل والتواصل، خصوصاً بين الأجيال الجديدة، وذلك لصالح لهجات عامية أو لغات أخرى أجنبية؛ فضلاً عن ضعف (وقلّة) المحتوى العربي الرقمي والتقني مقارنةً باللغات الأخرى، ما يحدّ من استخدامها في مجالات متنوّعة متقدّمة؛ وإغفال أصالة اللغة مكانةً وإمكاناتٍ بالتعامل المتغافل والمتساهل مع ترجمات غير دقيقة، وربّما غير بريئة، فضلاً عن المحتوى السطحي الذي يطغى على الرغم من افتقاره إلى العمق اللغوي والثقافي. غاية الأمر أن اللغة هانت على أهلها ولاقت على الأرض وفي ميادين التفاعل والاتصال ووسائلها نكراناً ومهانةً وهواناً في استعمالها؛ وعلينا في هذا المقام أن نستردّ (ونردّد) مقولة مصطفى صادق الرافعي في “وحي القلم”: “ما ذلّت لغةُ شعبٍ إلا ذلّ، ولا انحطَّت إلا كان أمرُهُ في ذهابٍ وإدبارٍ، ومن هذا يفرِضُ الأجنبيُّ المستعمرُ لغتَه فرضاً على الأمةِ المُستعمَرَة، ويركبهم بها ويُشعرهم عَظَمَته فيها، ويَستَلحِقُهُم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكامًا ثلاثةً في عملٍ واحدٍ: أما الأولُ؛ فحبْسُ لغتهم في لغتِهِ سجناً مؤبَّداً، وأمّا الثاني؛ فالحكمُ على ماضيهم بالقتل محواً ونسياناً، وأمّا الثالث؛ فتقييدُ مستقبلهم في الأغلالِ التي يصنعُها، فأمرهم من بعدِها لأمرِهِ تَبَعٌ”.
وبمناسبة اليوم العالمي للغة العربية، نحن أمام منظومة من التحدّيات وجب إدراكها بعمق ومواجهتها بصدق جامع بين الوعي الحق والسعي الصدق؛ اعتزازاً باللغة والمسؤولية عنها ومكانتها الحضارية اللائقة بها. وأول هذه التحدّيات التوقّف عند المعنى الحقيقي لمفهوم التحدّي، حتى تكون الاستجابة على مستوى ذلك الإدراك الواعي والفعل العميق الساعي؛ فالتحدّيات الحضارية للغة أوسع وأكثر امتداداً من الحدث العابر أو المؤقّت أو الآني؛ والبحث عن التحدّيات في المجال اللغوي ليس بعيداً من التوقّف عند المُستجِدَّات والمُتغيِّرات التي تشكّل بيئة ووسطاً للتحدّيات وسياقاتها، لا يؤثّر فقط في الإدراك والتصوّرات، بل في طرائق التعامل والتصرّفات وقدرات المواجهة.
تشير التحدّيات في الشأن اللغوي بذلك إلى عناصر التنبّه الدائم والقادر على التعامل بوعي وسعي متصل. وتتطلّب التفكير استشرافاً بضرورة النظر إلى مستقبل التحدّيات وتطوّرها طبيعةً ومساراً وما يفيد ذلك من آثار في مناهج التعامل والتناول للتحدّيات، فضلاً عن مناهج النظر. التحدّي اللغوي وفق هذا الاعتبار حالة ووضع وموقف وعلاقة؛ واختبار وابتلاء وإدراك وعي واستجابة سعي على كل المستويات، وهو بهذا الاعتبار إن كان يرتبط بقضايا أو إشكالات أو أزمات، فإن جوهر التحدّي ليس في التعرّض لمثل هذه الحالات؛ ولكنّه يقع في قدرة البشر على إدراكها، والوعي بها، والتعرّف إلى سنن التعامل معها، وإمكانية تحويل السلبي منها إلى طاقة إيجابية، وتعظيم الإيجابي منها، ويتمثل ذلك في أنماط الاستجابات النابعة لا التابعة، الفاعلة والواعية. إن الابتلاء الحضاري من منظور لغوي يستدعي معنى السنن في التعامل معه؛ نعم، إن اختبار اللغة لأهلها لأمر لو تعلمون عظيم، وعلينا أن نرتفع إلى مستوى اللغة ومستوى التحدّيات التي تجابهها.

الحفاظ على العربية لا يكون بالشعارات، بل بالاستخدام الواعي والعمل الملهم المبدع وإنتاج المعرفة اللغوية المتنوعة

فلا هيمنة للغة غير العربية، ولا يمكن قبول الصورة النمطية عنها التي تربطها بالتخلف أو الماضي، في حين تُقدَّم اللغات الأخرى على أنها رمز الحداثة والتقدّم، وهي نظرة غير عادلة ولا علمية. ولا ازدواجية لغوية بين الفصحى والعامية؛ ولا يزال الاعتماد على أساليب تعليم قديمة، تركّز في الحفظ من دون الفهم أو التطبيق، ممَّا أسهم في نفور الأجيال الجديدة من اللغة بدل الارتباط بها؛ فضلاً عن غياب المصطلحات العلمية الموحّدة وندرة الاهتمام بعالم المفاهيم والمصطلحات. كما يجب أن نتحسّب لتحدّيات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة واستنهاض المحتوى العربي الرقمي؛ إذ لا يزال المحتوى العربي على الشبكة (الإنترنت) محدوداً من حيث الكمّ والجودة، خاصّة في العلوم التطبيقية والفنّية والتقنية.
اللغة العربية ليست ماضياً نحتفل به أو يوماً عالمياً نتوقّف عنده، بل حياة نعيشها ونعايشها؛ وهي أبعد من ذلك تُعدُّ مستقبلاً نستشرفه ونبنيه. والحفاظ عليها لا يكون بالشعارات، بل بالاستخدام الواعي، والعمل الملهم والمبدع، وإنتاج المعرفة اللغوية المتنوع والمتجدّد فنقدّم أبلغ درس في ابتلاء اللغة واختبارها لأهلها في “لغة النهوض ونهوض اللغة”؛ ذلك أن اللغة العربية لا تزال في حاجة إلى مشاريع متجدّدة مثل معجم الدوحة التاريخي للغة العربية وغيره من المشاريع الفاعلة والمبدعة؛ فإذا فقدت الأمة لغتها (حاشا لله) معناها ومبناها ومكانتها ومغزاها، فإنما تفقد ذاكرتها الحضارية وهويتها، وإذا أحيت لغتها، مكّنت لذاكراتها وتراثها وأحيت تاريخها ومستقبلها جميعاً.