كنت أنوي أن أستكمل الرؤى حول مسألة الترجمة، وأن أتحدّث عن رؤيتي في هذا المقام، حينما تقوم المؤسّسات على مشروعات جوهرية في مجال اللغة والترجمة، إلا أنه قد استوقفني أن أشرق علينا خبر كريم، إذ أعلن معجم الدوحة التاريخي للغة العربية اختتام عمله في نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2025. صادفت هذه الإطلالة الجديدة الكتابة عن سؤال اللغة في هذا المقام. كنتُ وأنا أعمل في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أرى عياناً خليةَ نحل تعمل في هذا المشروع العظيم، وكنت أرى مجموعةً زكيةً فتيةً تمارس عملها بكل نشاط وهمّة، حتى أنجزت المهمّة بكل جدّية، وأتمّت الأمانة والرسالة في نفع اللغة والأمة.
يرى بعضهم (خطأً وربّما خطيئةً) أنّ مسألة اللغة ناجزة قد تمّت في أبوابها بما قدّمه القدماء، وأن العودة إلى المعاجم القديمة تقدّم الدليل وتشفي الغليل، ولعلّ هؤلاء أرادوا للغة ألا تتطوّر فتجمد، وألا تتجدّد فتنزوي وربّما تتبدّد، وهو لعمري تفكير سقيم لا يضمن للغة سعة، ولا يضمن لها سمة الاتساع والانفتاح، والاستفادة من علوم الألسنية وأدائها البديع، والإيمان بعطائها هو للثقافات كافّة، وللجميع. وفي هذا المقام أرادوا للبحث اللغوي أن يكون شرحاً على المتون، أو بياناً للقديم، وهو أمر يعطّل الإبداعات ويئد الملكات، فما كان هكذا أبداً “لسان العرب” و”قاموس المحيط”.
وإنها لفرصة عظيمة أن نبني قواعد النظر اللغوي على بنيان مكين وتأسيس رصين، فنَبني على الموجود ونتقصى ونتفقّد المفقود، تحقيقاً للمنشود، وبلوغاً للمقصود ضمن استراتيجية لغوية كبرى في سياقات يتفاعل فيها نهوض اللغة ولغة النهوض. هذه الأسس الكبرى والمسالك الفضلى هي التي تشكّل مقدّمةً للأعمال الرائدة في مجال اللغة التي تتراوح بين معنيين: “الذاكرة المعجمية” و”الصناعة المعجمية”، وهي ضمن هذه الاستراتيجية اللغوية تقدّم زاداً وقيمةً مضافةً إلى حقل اللغة وتأصيله، وللمجال اللغوي وتجديده، فتبدّد بعض الأساطير التي تحيط بالفعل الحضاري اللغوي، التي من أكثرها أهميةً أن اللغة حالة ناجزة لا مزيد فيها ولا معقّب عليها ولا تجديد لها.
الذاكرة المعجمية عطاء مضى وآخر استجدَّ، يراكم في حقل اللغة إضافةً وإفادةً
ولعمري، حينما نتوقّف عند تعريف ابن خلدون المسألة اللغوية وارتباطها بالأصول العمرانية، لنجعل النظرَ اللغوي منفتحاً ومستشرفاً لا يتوقّف عند حدّ، ولا يغلق بابه إذا ما جدّ الجدُّ وشمّرت السواعد والعقول في مسار التجديد الحقّ؛ إذ يعرّف اللغة في “المقدمة”: “أعلم أن اللغة في المتعارف عليه هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة، فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكلام، فلا بد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها، وهو اللسان، وهو في كلّ أمة بحسب اصطلاحاتها”. ابن خلدون الذي أدرك أن اللغة من مقوّمات العمران البشري، فأسهب في الحديث عن أحوالها وتعليمها واكتسابها، ربط فيها بين التنظير والتطبيق، وسبق بفكره اللساني والنفسي والتربوي والاجتماعي علماء العصر الحديث. بين اللغة والعمران علاقة أكيدة، إذ تتفاعل المسألة اللغوية في الجدل بين عمران اللغة ولغة العمران.
الذاكرة المعجمية الحضارية لا يمكنها أن تنزوي في مجاهل التاريخ أو زوايا الحكاية التاريخية، الذاكرة المعجمية عطاء مضى وآخر استجدَّ، يراكم في حقل اللغة إضافةً وإفادةً، فماذا كان معجم الدوحة التاريخي للغة العربية إلّا عملاً مبدعاً في حلقات الذاكرة الحضارية المعجمية يحاول فهم عقل اللغة ومنظوماتها، كما أنه يستشرف علم سيرة الأفكار ومسيرتها وسيرورتها، وإنه لعمل لو تعلمون عظيم، وهو في ذات الوقت جامع بين اللغة والذاكرة ضمن مسارات الفاعلية والتأثير.
يتميّز المعجم بانفتاحه على المستدركات والتصحيحات بجميع أنواعها
والمعجم علامة فارقة في الصناعة المعجمية التي لا تشكل عملاً انقضى، ولكنّه يُعدُّ فعلاً حضارياً يتمدّد ويتجدّد، ويجيب إجابةً واعيةً (ويستجيب استجابةً فاعلةً) على هؤلاء الذين يدّعون أن مداخل الإضافة قد توقّفت وأبواب الاجتهاد قد سُدَّت، في ردٍّ بليغ وعمل جليل يجمل مقولة السيوطي في باب الاجتهاد اللغوي: “الردّ على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض” ضمن أبواب جديدة، وجهود متجدّدة، وإضافات في حقل لسان العرب متميّزة مبهرة، متنوّعة ومتعدّدة. لقد كانت الحاجة ماسّةً إلى تحديد الأبحاث اللغوية العربية القديمة التي خلّفها اللغويون القدماء، وعبّرت عن براعة في التفكير، وعن سبق حضاري، فلم تبقَ رهينةَ تصوّراتهم، بل عالجها العديد من اللغويين المحدثين، كل حسب أولوياته وتوجّهاته؛ هذا التحديد لم يكن أبداً مانعاً للتطوير، ولا حاجباً للتجديد، التجديد الحقّ في مجال اللغة مع تجدّد الزمن والعصر.
وكما تضمّنت مقدّمة هذا المعجم، فهو أول معجم عربي شامل يؤرّخ لألفاظ اللغة العربية ومعانيها، وقد أُلِّف انطلاقاً من مدوّنة نصّية ممثلة للغة العربية في مراحلها المختلفة، ويتضمّن ذاكرة كل لفظ من ألفاظ العربية المستعملة، المطبوعة من أقدم استعمال لها، وأياً كان مكان استعمالها الجغرافي، ويسجّل تاريخ استعمال اللفظ بدلالته الأولى، ومراحل تحوّلاته البنيوية والدلالية مؤرخّةً وفق المتاح من المصادر، ويوثّق تلك الذاكرة بالنصوص التي تشهد على استعمال اللفظ الوارد فيها وصحّة المعنى المرصود. وتتجلّى أهم المعالم المحددة لهُويَّة المعجم في عدة عناصر: التأريخية؛ فيُعنى المعجم بالتأريخ للألفاظ وتحوّلاتها البنيوية، والمرحلية؛ إذ بُني المعجم على مراحل لدواعٍ إجرائية، والسياقية والاستعمالية، فيتميّز المعجم بأنه معجمٌ سياقيٌّ يُعنى بدلالات الألفاظ وفق سياقاتها، كما يعتمد على الألفاظ الواردة في الشواهد الاستعمالية المدوّنة في النصوص والمستمدّة من واقع اللغة العربية عبر عصورها، والنسقية؛ فيخضع المعجم لضوابط الصناعة المعجمية المعاصرة، ويقدّم المعلومات عن الألفاظ في مداخلها المعجمية بطريقة موحّدة ومنظّمة.
بالإضافة إلى الموثوقية؛ يقدّم جميع المعلومات موثّقة توثيقاً علمياً، وكذلك التفاعلية؛ إذ نُشرت مواد المعجم عبر بوابة إلكترونية تسمح بتفاعل جمهور القرّاء والمتخصّصين واستقبال ملاحظاتهم وتنبيهاتهم، كما تتيح بوابة المعجم خدمات معجمية كثيرة، والحوسبة؛ فاعتمد المعجم أحدث التقنيات الحاسوبية المستعملة في صناعة المعاجم في جميع مراحل إنجازه من مرحلة التحضير مروراً بمرحلة العمل المعجمي وصولاً إلى مرحلة النشر، وأخيراً الانفتاح؛ فيتميّز المعجم بانفتاحه على المستدركات والتصحيحات بجميع أنواعها.
يُعنى “معجم الدوحة” بدلالات الألفاظ وفق سياقاتها، ويخضع لضوابط الصناعة المعجمية المعاصرة
هذا المعجم، بكل ما بُذل ولا يزال يُبذل فيه من جهد، يمثّل (كما وصفه الكاتب حكيم عنكر) “منعطفاً حضارياً ونقلةً نوعيةً في تاريخ اللغة العربية، وإسهاماً علمياً لتعزيز مكانة لغة الضاد وتوطيدها لغةً للحاضر والمستقبل، بالاستفادة من رصيدها المعجمي الهائل ومنتوجها الإبداعي والفكري والتداولي، وغزارة ما تقدّمه اليوم، خصوصاً في عالم الميديا الجديدة، وهي طاقة لم تعرفها اللغة العربية في أيّ لحظة من لحظات تاريخها”. هذه اللحظة هي التي يراها أيضاً عزّ الدين البوشيخي مناسبةً لأن يحقّق المعجم أهم أهدافه، وهو “تمكين الأمّة من فهم لغتها في تطوّراتها الدّلالية على مدى أكثر من عشرين قرناً، وبذلك ييسّر تحصيل الفهم الصّحيح لتراثها الفكريّ والعلميّ والحضاريّ، بإدراك دلالة كل لفظٍ حسب سياقه التاريخي، ويتحقّق وصل حاضرها بماضيها في المستويات اللغوية والفكرية والعلمية”.
إن الأمّتين العربية والإسلامية، بهذه الصناعة المعجمية التي تحفظ أول ما تحفظ الذاكرة المعجمية الحضارية من أن تنزوي في مجاهل التاريخ أو زوايا الحكاية التاريخية، هذا المعجم الذي يروي قصّة اللغة العربية، تحتاجان إلى مراكمة وتفاعل كبير من المتخصّصين والمهتمّين لتظلّ اللغة ترتبط بالهُويَّة والعكس صحيح؛ فهما (اللغة والهُويَّة) وجهان لعملة واحدة، وكما أشار الدكتور محمود السيّد، فالإنسان في جوهره ليس إلا لغةً وهُويَّةً؛ اللغة فكره ولسانه، وفي الوقت نفسه انتماؤه، وهذه الأشياء هي حقيقته وهُويَّته.
استند معجم الدوحة التاريخي للغة العربية إلى خماسية مجتمعة ومتفاعلة: الذاكرة المعجمية الحضارية، والصناعة المعجمية وفنّياتها، وعمران اللغة ولغة العمران الاجتماعية فيما يشير إلى اللسانية الاجتماعية مجالاً ألسنياً جديداً، والاجتهاد اللغوي وضروراته، والتجديد اللغوي وقواعده، والمعجمية اللغوية في طريق النهوض اللغوي الذي يُعدُّ شعبةً من مشاريع النهوض الحضاري الثقافي.