ينطوي تصنيف مالك بن نبي لعالم الأفكار على إشارة عميقة تتمثل في رصده لما أسماه عالم الأفكار المخذولة من أهلها؛ والتي تتحول مع خذلانها إلى عالم الأفكار المنتقمة. ورغم الأهمية القصوى لهذه الإشارة من مالك، إلا أن من كتب عميقا متدبرا لأفكاره مرّ عليها…
أبدع مالك بن نبي في معادلته الحضارية -التراب والوقت والإنسان- حينما استبدل إشكاليتي الزمان والمكان بالتراب والوقت لدلالتهما وفعاليتهما في حياة الإنسان؛ إنها مساحات وأوعية يملؤها الإنسان بالنشاط والفاعلية. وجوهر العبقرية عنده هي القدرة على “تبيئة” وإعادة تسكين المفهوم الفلسفي…
يعد مالك بن نبي (مهندس النهوض الحضاري)؛ أكثر من قدم “تشريحا” دقيقا للمرض الحضاري، ولم تكن مفاهيمه مجرد تنظيرات، بل كانت أدوات تحليلية (مفاتيح) لفك شفرة التخلف من جهة، وتحديد معالم النهوض على طريق الرشد والنهوض الزائف المفسد للتغيير الحارس لكل صنوف التخلف ومظاهر…
اختتمنا مقالنا السابق -وهو الأول في سلسلة النهوض الراشد- بآية قرآنية في سورة إبراهيم تذكرنا بتلك المفارقة بين الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة؛ “أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَة طَيِّبَة كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ۞ تُؤْتِي أُكُلَهَا…
ليس كل نهوض يشكل حالة ناهضة، وليس كل نهوض يمثل النهوض الرشيد؛ هذه العبارة الفارقة تشير ضمن ما تشير إلى إشكالية نراها في غاية الأهمية؛ ألا وهي الفعل العشوائي والمشروع الحضاري. فالحركة في حد ذاتها لا تعني التقدم بالضرورة؛ ذلك…